Menu

معركة الأرض .. تختصر القضية / بقلم أ. نزار السهلي

أرضنا والقوانين العنصرية "،هي عنوان مادة الدكتور جمال زحالقة المنشورة في موقع عرب 48 ،التي سلط فيها الضوء على مجموعة القوانين العنصرية التي تستهدف انتزاع الأرض وساكنيها عبر سلسلة من التشريعات  تحت قبة الكنيست الإسرائيلي ،للسطو على ما تبقى من الأرض الفلسطينية ،وما قدمه الدكتور زحالقة  تعبير عن موقف أي عربي فلسطيني داخل الخط الأخضر لفرض إعادة القراءة لمعنى الأرض ومعنى الكفاح في سبيلها ،الأمر اللافت في ما يصدر من صرخات النجدة للأرض ضد تزويرها وتهويدها له سنوات امتدت مع نكبة الفلسطيني في أرضه ولا تثير جلبة في أوساط القيادات السياسية للمنظمة وللسلطة بعد أن حيدت في اتفاقاتها مع إسرائيل قضية الأرض جانبا واستبدلت مفهوم الأرض بالدولة على أي شبر تقام عليه مؤسسات ما يسمى الدولة الفلسطينية ،فيما المعركة التي تخاض من قبل الفلسطينيين في ال48 وفي اتجاهات متعددة تتعلق بالانتماء ومقاومة الاسرلة والتهويد والحفاظ على الأرض، وهي تؤرق بالطبع استكانة العقل المفاوض نحو الدولة ،لتكريس وبقاء الحالة الجمالية للأرض كمفهوم مرتبط بالحلم الغير "واقعي "في ظل اختلال موازين القوى  لجعل الأرض مفهوم احتفالي وجمالي نحتفي به مع باقي المناسبات المتعلقة بالنكبة والقدس والأسرى والجرحى والاستيطان والشهداء ..الخ و تكتب على يافطات وترفع أمام مؤسسات الدولة بمفهوم عصري لنضال الدولة ومنتسبيها

غير أن التأكيد المستمر للفلسطينيين في ال48 على أنهم من ذات النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي المنتمي لذات الأرض التي اخرج منها اللاجئون المنتشرون في أصقاع الأرض ،جعل من المؤسسة الصهيونية ترفع وتيرة التصعيد ضدهم وضد رموز حركتهم النضالية ليأخذ أشكاله المتعددة وصولا لتشريع الملاحقة والتهديد بالتصفية الجسدية لهم
فبعد ان كرس المفاوض الفلسطيني انفكاكه عن الأرض التاريخية وعن سكانها الباقين رغم انف النكبة فوق الأرض توغل المؤسسة الصهيونية في إجراءات ابتلاع الأرض بعد أن أصبح الفلسطيني فوق أرضه مصدر إزعاج مزدوج للقيادات السياسية للسلطة ولإسرائيل في آن معا ، على اعتبار إن كل الحركة النضالية للفلسطينيين داخل ما يسمى الخط الأخضر شان إسرائيلي لا يعني السلطة الفلسطينية ولا المنظمة الجديدة لتحرير أشبار من الأرض للدولة
اعتبر فلسطينيو الداخل منذ العام 1976 شهر آذار ويومه قبل الأخير قرع لأجراس المعركة للحفاظ على الأرض ،ليصبح يومها  انكشاف لواقع المأساة الذي تعيشه الأرض الفلسطينية وعربها في ال48 ، اذ سعت السلطات الإسرائيلية منذ قيام "الدولة "إلى إحباط كل المحاولات العربية لإنشاء هيئات أو أحزاب بعيدة عن الأحزاب الصهيونية ،لينجح بعد ذلك النمط الذي شكله عرب 48 تحت مسمى اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي العربية في الجليل ودعوتها إلى  الإضراب الأول في الثلاثين من آذار 76 واعتباره "يوم للأرض"ليلقى استجابة واسعة من الجمهور العربي في الجليل ،مما دفع السلطات الإسرائيلية إلى استخدام القوة في مواجهة المضربين وسقوط 6شهداء ليتم الإعلان عن يوم الأرض من كل عام للتأكيد على حق أصحابها التاريخيين في استعادتها والعيش فوقها
الذي يعنيه الحدث ليس ذكرى احتفالية من كل عام ،كانت قوة الحدث كافية لتقرع أجراس الخطر عند القيادات العربية في الداخل والخارج وبداية بلورة جديدة لهوية أصحاب الأرض بعد أن تميزت المراحل التالية لقيام "إسرائيل"بخفوت الهوية الوطنية لدى الفلسطينيين في "إسرائيل"،كما يمكن اعتبار هذا الحدث تحولا جوهريا يتعلق بالاتجاهات السياسية لعرب48 وظهور الوعي الممارس بالتمييز العنصري ضدهم وتمييزهم عن باقي سكان "إسرائيل"،ليدخل الفلسطينيون في الداخل معركة أخرى موازية لمعكرة الأرض ألا وهي معركة الهوية والانتماء من خلال تشكيل الأحزاب العربية في ال48 بالرغم من حالة الانقسام التي تعيشها الأحزاب العربية في الداخل إلا أن بروز حزب التجمع بدا واضحا منذ البداية وطبيعة الاشتباك التي يخوضها هذا الحزب مع مؤسسات الدولة العبرية في انتزاع حقوق المواطنة الكاملة ونزع الطابع الصهيوني واليهودي للدولة
مع ما تمثله معركة الأرض من قيمة نضالية ليست رمزية أبدا ،تزايدت في السنوات القليلة الماضية والتي تلت أوسلو حدة المعركة حول هوية الدولة والأرض ،التي تسعى إسرائيل إلى اتشاحها باليهودية النقية ،بقي الهدف الأساس لعرب 48 هناك إلى إظهار التناقض التام بين صفتي اليهودية والديمقراطية التي تتشدق بها المؤسسة الصهيونية ،وفي هذا السياق أيضا كان للتجمع الوطني الديمقراطي أثره البالغ في فضح تلك الصفة وانكشاف الحرب التي تخوضها مؤسسة "الديمقراطية " الإسرائيلية ضد رموز التجمع بدءا من بشارة وزعبي وليس انتهاءً بزحالقة ، لمقاومة عملية نزع الشرعية عن زيف الديمقراطية الإسرائيلية تكثف السلطات الإسرائيلية مجموعة القوانين العنصرية الموضوعة ضمن سلسلة تهدف من ورائها التسريع في ابتلاع الأرض وطرد سكانها التي ترى في مستقبلهم الديمغرافي والسياسي خطرا يتهدد وجودها ويمكن أيضا القول إن الحرب التي يتعرض لها رموز التجمع بسن قوانين السطو على صناديق التقاعد للنواب العرب او التهديد بسحب المواطنة بشبهة دعم الإرهاب او غيرها من القوانين تهدف لترهيب من يتشبث بالأرض أساسا ويصر على انتمائه وحقه في هذه الأرض التي استمد منها وفيها شرعيته ومواطنته التي لا يستجديها من دولة فاشية وعنصرية فضح ديمقراطيتها من خلال إصراره على حقه في هذه الأرض قبل استيراد "مواطنيها".
قدم عرب 48 نموذجا رائعا في معركة الأرض والانتماء والتضامن مع أشقائهم في الضفة والقطاع ،وبالانتماء للهوية العربية القومية رغم إسقاطهم من حسابات التسوية في أوسلو وما بعدها من استنتاجات وتفاهمات كانت مطروحة في السر والعلن مع الجانب الفلسطيني المفاوض إلا أن الصراع على ارض فلسطين بمعناه الاجتماعي الممتد سوف يستمر برغم كل محاولات طمس الهوية وحصار أثار نمو الهوية الوطنية لعرب 48 ،وما الجدل المرافق لكل التصريحات التفاوضية بشان حق اللاجئين وحق العودة لأصحاب الأرض الأصليين إلا حلقة من حلقات المخطط الهادف إلى محاصرة التجليات المستقبلية للبعد الديمغرافي الذي يعمل في غير صالح المشروع الصهيوني
اذ يعتبر من هم لاجئون امتدادا لمن هم باقون في ارض الآباء والأجداد ،وهم الجذر الممتد في الأرض التي يعتبرها الفلسطينيون عنوان ومنتهى الصراع ، ومن المؤكد  ان الشعارات المنطلقة من حناجر الفلسطينيين احتفالا بيوم الأرض ،تستدعي برامج عمل تتجاوز الحالة الاحتفالية لأداء السلطة الفلسطينية التي أصبحت تواريخ وأحداث الصراع مرتبطة بزمن احتفالي تقيمه السلطة والفصائل داخل حدودها الإدارية  ولا يصل فعلها لمساحة الأرض التي تتحدث عنها احتفاليتهم .
دراسة وعمل آلية تنطلق بفهم لمعنى الأرض لا الدولة والسلطة تنسف كل ذاك الوهم الذي يبدده واقع ما تتعرض له الأرض استيطانا وتهويدا لكل اثر عربي ،وسيكون من التجني على الحقيقة القول ان شعارات إحياء يوم الأرض دون النظر الى ما طرا عليها من عدوان ودون مراجعة الحالة التجريبية التي كانت سمتها الأساسية الخراب الواسع للأرض الفلسطينية جراء النهج التفاوضي  في إدارة معركته مع الاحتلال بسياسة المراوغة والحذاقة والفهلوة الشخصية التي تؤمن الضياع المستمر للأرض
الأرض الفلسطينية ولاجئوها هم عنوان الصراع من حيث المضمون ، وهو ابعد من خطاب التفاوض والمصالحة الفلسطينية بين رام الله وغزة "إلا إذا كان مضمون الخطابين يؤسس إلى إستراتيجية يتفق عليها بتعريف من هي فلسطين وما هي جغرافيتها التي نتحدث عنها أهي الأرض أم الدولة ؟!