Menu

أفول الحروب الفولكلورية والأنظمة الوظيفية / بقلم أ. سامي محمد الأسطل

أفول الحروب الفولكلورية والأنظمة الوظيفية / سامي محمد الاسطل
 
 
 
 
 
يقيم الإسرائيليون اليوم في القدس احتفالات كبيرة ومتواصلة؛ احتفالا بمكتسباتهم الكبيرة, السريعة, الخاطفة كالبرق الصاعقة؛ إنها احتفالات تتمة الخلاص, وحدة العاصمة الأبدية قدس الأقداس, السيطرة على 100% من فلسطين بدلا من 56% حسب قرار التقسيم ألأممي, بل أكثر من ذلك التجاوب الواسع مع سياسة الردع التي مارستها إسرائيل بغطاء عالمي والممثلة في رد الصاع بمليوني طن.
 
أقامت إسرائيل في مثل هذه الأوقات قبل أربعة عقود احتفالات متنوعة عسكرية ومدنية  في مدينة القدس الغربية احتفالا بذكرى إنشائها, وفُسّر هذا العمل على أنه استفزاز كبير للأنظمة العربية وكعادتها اتخذت مواقف دعائية وإعلامية دون أي استعداد حقيقي فأغلقت مصر خليج العقبة وطلبت سحب القوات  الدولية من سيناء, وكأن هذه المواقف خلق ذرائع ومبررات فارغة للتمهيد والتهيئة للتسوية الشاملة.
 
سحبت إسرائيل مياه نهر الأردن؛ وبهلوانات سخرة القمع ممعنة النظر استغرابا للكيفية التكنولوجية التي تقوم بها إسرائيل, وليس لجسامة الجرم والتصدي له, ثم أسقطت إسرائيل ست طائرات سورية  في شهر نيسان أبريل 1967م قبل الحرب بأسابيع ثم امتثلت المثل العربي القائل: ضربني وبكى وسبقني واشتكى, وعلى الفور قدمت شكوى ضد سوريا التي سقط منها ست طائرات فقط لا غير.
 
سياسة الضمانات الأمريكية
 
تعودت الولايات المتحدة الأمريكية منح الضمانات للدول العربية، فلا يكاد يمر عام حتى تطلق سيل من الضمانات التي تتبدد بين الانتخابات والتطورات السياسية,  في المقابل تقدم الولايات المتحدة الأمريكية  الدعم بكل أشكاله في المجال السياسي, الأمن والأسلحة بكل أنواعها للدولة العبرية, أما مصر فقد ضمنت لها عدم إقدام إسرائيل على الهجوم ضد مصر, وفجأة ضمن سياسة الضمانات المدروسة والمسيسة شن سلاح الجو الإسرائيلي يوم الاثنين الموافق 5/6/1967م حيث شن الطيران الإسرائيلي هجوما صاعقا على المطارات المصرية والأردنية والسورية واللبنانية, الذي أدى إلى تدمير المطارات والقواعد العسكرية والطائرات في مرابضها بصورة غريبة وكأنها معدة لذلك اليوم, ثلاث ساعات كان سلاح الجو لأربع دول عربية حطام, ولم تمض ستة أيام حتى تضخمت الدولة العبرية بابتلاع سيناء, الجولان, قطاع غزة و الضفة الغربية.
 
من دول الطوق إلى طوق نجاة لإسرائيل
 
تعودنا على مصطلحات مللناها, تختزل مرحلة الأنظمة العربية الوظيفية التي نشأت وفق النظام الدولي الذي خطته القوى الاستعمارية الدكتاتورية ومن هذه المصطلحات: النكبة, العدوان الثلاثي, النكسة, جيل الهزيمة, أمام الأسطورة الجيش الذي لا يقهر, وبعد هذه المرحلة الصادمة, تكونت مرحلة الاستعدادات والمعاذير, فظلت الأنظمة تتمترس خلف الدشم والمتاريس الكبيرة مثل: التوازنات الإستراتيجية, الرد سيكون في الوقت والزمان المناسبين, الوحدة العربية, القومية, الحزب, لتقنع شعوبها أنها على خط النار والمواجهة التي طال انتظارها, وقد  أقنعت الأنظمة  العربية من يدور في فلكها بمنظومتهم أنهم كالجسد المصاب برصاصة في العمود الفقري, وهذا الجسد إما أن يتأقلم مع الرصاصة ويغلفها, وإما أن يجري عملية جراحية نتيجتها الشلل الكامل, لذلك انحسرت الخيارات وفق وجهة نظرهم.
 
سميت الدول المجاورة للكيان الإسرائيلي بدول الطوق نظرا لأنها في مواجهة إسرائيل وتطوق إسرائيل من كل الجهات باستثناء البحر، بيد أنها بذلت قصارى جهدها من أجل الفتك بالمقاومة؛ بل ومحاربتها في كل الجوانب عسكريا, أمنيا, اقتصاديا, إشاعات مغرضة وإساءات قاتلة, فهل هذه الأنظمة فعلا خاضت حروب حقيقية, وقد حافظت على الحدود مع إسرائيل وكأنه سر بقاء تلك الأنظمة.
 
سماء وحدود إسرائيل لم تعودا صافية
 
تعالت الأصوات داخل إسرائيل أن الجيش الإسرائيلي عجز عن ضبط مليون ونصف في قطاع غزة فانسحب يوم 13/9/2005م ولا زالت الأوضاع عبارة عن حمم يغطيها الرماد, فكيف الحال الآن وملايين المناصرين للحق العربي في فلسطين يقصدون الحدود للعودة إلى المدن والقرى العربية وحالهم يقول: انتهت مرحلة النكبة والنكسة بأزلامها وأنظمتها ولا بد من اختراق الحدود وتحقيق النصر.
 
إن المقاومة الفلسطينية على بدائيتها كفيلة الآن وبصورة حرب العصابات اللامركزية والمتنوعة الفصائل استهداف نصف إسرائيل الجنوبي, وإدخال مستوطنيها الملاجئ وكذلك الأمر في الشمال من جنوب لبنان بل قد تحدث مستجدات جديدة ومعطيات لن تكون في الصالح الإسرائيلي.
 
لو أردنا استدعاء نموذج غريب غير متكافئ لمقاربة الواقع نجد حرب غزة كمؤشر, ويمكن أن نحكم من حيث تحقيق الأهداف الإسرائيلية أو النتائج التي أسفرت عنها لوجدنا أن إسرائيل لم تحقق أهدافها المعلنة ولم تحصد النتائج المرجوة, ولم تستطع حتى التمركز في غزة؛ فالحروب القادمة حقيقية والخسارة لن تكون من طرف واحد.
 
 
 
 
 
 
 
صد الرصاص
نيثن، أندرسون وسلفيا
مغامرة خطرة
 
في حالة من حالات المغامرة الخطرة التي تذكرنا بالسير على حبل بين أعلى برجين وسط عواصف عاتية؛ يأتي من شيكاغو رجل القانون نيثن 34 عاما ، ومن كوبنهاجن أندرسون 67 عاما قبطان أعالي البحار ومن روما سلفيا 23عاما خريجة الفيزياء، يأتون من أصقاع العالم وحدهم فرادى , يتركون بلدانهم, ذويهم ومحبيهم يأتون إلى الخط الأخضر الذي تحول إلى اللون الأحمر القاني وخط النار من أجل قضية اعتنقوا عدالتها وتجيشوا من أجلها، قضية الإنسان, حقه في الحياة، كرامته وحقوقه.
 
إلى جانب إرادة الشعب الفلسطيني كسر هؤلاء المتضامنون الخطط الإسرائيلية الهادفة إلى تكريس خطة فرض الحزام الأمني إلى الشرق من قطاع غزة بالقوة العسكرية، فكانت الهجمات الإسرائيلية بالأسلحة الرشاشة من الأعيرة الثقيلة على كل من يتحرك بالقرب من الحدود, وجرفت مساحات كبيرة من الأشجار المثمرة؛ فهجرت أراض زراعية على طول قطاع غزة الذي لا تتجاوز مساحته 360كم.
 
لكن هذا الحال لن يطول والعزم والإصرار سمة أهل هذه البلاد, إن هذه الحال في كل معانيها ثورة مسالمة على آلة القتل, القمع والقلع, ثورة العمل الجاد والكد بزراعة هذه الأراضي في شهر ديسمبر كانون الأول برفقة المتضامنين والإشراف عليها, وفي شهر مايو أيار تبدأ عملية الحصاد التي تكلف أغلى ما يملك الإنسان إنها الروح؛ لاسيما وان الاحتلال لا يتوانى ولو لحظة بضرب الأهالي بالقذائف, فكان استعداد بعض هؤلاء المتضامنين بكل ما يملكون.
 
امتشاق
في ساعات الفجر الأولى يمتشق هؤلاء المتضامنون أسلحتهم الخفيفة المكونة من مكبر الصوت، جوال و كاميرا صغيرة إلى جانب أسلحتهم الثقيلة المكونة من قوة إيمانهم ، أجسادهم، همتهم،  حضورهم، فهمهم لقضيتنا فهما عميقا نحتاج إليه كثيرا, ثم يتجهون إلى مكان عملهم الطوعي وليس في حساباتهم أو ذاكرتهم موظفو العلاقات العامة، الصحافة، المكاتب الإعلامية, رغم أنهم يعلمون أن هذا العمل قد يكون آخر عهدهم بالحياة.
 
بددت صلي المدافع الرشاشة سكون الصباح في هذا اليوم الربيعي وتغريد الطيور التي لا تعرف الحدود لكنها لم تبدد همة فريق العمل المتضامن الذي يتقدم الأهالي إلى الشرق نحو الحدود وينادون جيش الاحتلال بمكبر الصوت للتعريف بأنفسهم ليبدأ اليوم بالعمل في الأرض يجمعون القش بأيديهم ويحزمونه بحبال تم يجمعونه في أماكن لتسهيل أعمال الدرس.
 
حفلة شواء
 
تبدأ فترة الإفطار الساعة التاسعة بحفلة شواء لكنها ليست على غرار حفلة شواء كاميرون اوباما؛  بل شواء الدفء والاطمئنان في ساحة الحرب, يفترش الجميع ذرات الأرض المباركة التي يقبّلونها ويقومون بشواء الباذنجان مع القليل من الفلفل تم يتناولون إفطارهم العائلي الذي ضم ثلاث قارات, والصورة يتابعها الصهاينة لحظة بلحظة عبر كاميراتهم, أجهزتهم, مناطيدهم وزنّانّاتهم.
لا تتركوا فلسطين
 
بعض الأبناء العاملون في أرضهم يسألون عن الهجرة بعيدا عن هذه الأوضاع ويجمع هؤلاء المتضامنون على الإجابة باستنكار الخروج من فلسطين وترك أراضيهم بل التمترس فوق هذه الأرض وعدم إفراغها من أهلها وغرسها ، والغريب أن بعض المتضامنين ينظر إلى الأراضي المحتلة عام 1948م على أنها فلسطين فقط  وليست إسرائيل.
 
تعلمت سلفيا العربية في قطاع غزة وتصف صمود الأهالي بالأسطوري وتجدد عزمها دائما للمواصلة وتقول بخجل وأسف: أنها ستزور أهلها في ايطاليا أسبوعين فقط  ثم تعود لقضيتها هنا بيننا ولن تترك الأصدقاء وحدهم وتعتبر الخروج للزيارة نقصا من جهدها، وبرر ذلك حرصها الشديد على العمل وحث الجميع لزيادة الوقت.
 
مدرس لعائلة السموني
 
يمسح نيثن عرقه تحت الشمس الحارقة وهو منهمكا في عمله المحبب, وبيده حبال العمل لربط حزم قش القمح ويتذكر والده الذي يمتلك مئات الدونمات من الأراضي ويقوم بفلاحتها لكنه يستطرد ممازحا ليس بالعمل اليدوي فيستعيض بالميكنة, ويقول: بعد هذا العمل أذهب إلى غزة حيث أعمل مدرسا للغة الانجليزية للعائلة المنكوبة السموني وفي بعض الجمعيات الخيرية لتعليم الطلاب اللغة الانجليزية.
 
يطمح أندرسون, نيثن وسلفيا إلى زوال الاحتلال وتمتع الناس بالحياة التي لا يعكرها تهديد الاحتلال وقلوبهم ترهف من اجل الشعب الفلسطيني وهدفهم هذا ماثلا أمامهم حتى يرى النور.
 
أمام هذه المواقف الحية علينا أن نجلّ مثل هذه المواقف, نكبرها في ملتقياتنا, مجالسنا, صحفنا, فضائياتنا, مدارسنا, ندواتنا, ونعلي من قدر هذه المواقف الحية, ونعزز أصحابها بكل ما نستطيع, إن في أحرار العالم ملايين مثل هذه النماذج الكبيرة, وقد شاهدنا ذلك ولمسناه في قوافل كسر الحصار الذي دق آخر إسفين في نعشه بفتح المعبر والقادمات أكبر.