Menu

الضمير الغائب وإعادة الحياة ... بقلم /أ. مصطفى الصواف

سأل الأستاذ الطالب في درس النحو: "أعرب الضمير في الجملة التالية"، فقال الطالب: "الضمير غائب مستتر ولا مكان له من الإعراب"، تعجب المدرس من قول الطالب، عاد الطالب من المدرسة، وقال لي ما سأله الأستاذ، وكيف رد عليه، قلت له:" أين هي الجملة؟"، فقال: "ها هي، نظرت فيها فلم أجد ضميراً لا غائباً ولا حاضراً بل منزوعاً نزعاً، ليس بفعل موقعه من الإعراب؛ بل لكونه قد مات".

مات الضمير وبموته غاب، وإذا غاب الضمير عن الفاعل، فالفعل يصبح بلا معنى، حال يصعب معه الإصلاح لأن الطب يعجز في بلاد الدنيا ورغم التقدم الهائل في التكنولوجيا والعلوم الطبية المتقدمة عن إصلاح الضمير، ولا هناك إمكانية لزراعة ضمير بدل الضمير المعطوب أو المريض أو الغائب، لذلك تبقى المشكلة قائمة والحل يكمن في نفس كل واحد فيها ليبحث عن الضمير.

لا يوجد طرف ثانٍ يمكن له أن يعالج الضمير أو يحاول ترميمه ورده إلى مكانه الصحيح، والواحد منا هو الذي يملك هذه المعالجة بذاته ويربي نفسه على زرع ضمير حاضر لا يغيب تحت أي ظرف من الظروف أو حال من الأحوال، فإذا أراد الإنسان بنفسه أن يعيد لضميره الحياة فهو الوحيد القادر على ذلك، ولا يمكن لأي وسيلة أخرى أن تقوم مقامه وتمارس دور الإحياء لهذا الضمير.

يتفنن علماء الإدارة في وضع الضوابط والمعايير الإدارية لضبط العمل ومراقبة العاملين، ولكنهم فشلوا في إحياء الضمائر المعطوبة، وتعاملوا مع الموظف على أنه آلة تفتح الساعة الثامنة صباحاً وتغلق الساعة الثالثة مساء، يأتي فيها الموظف إلى مكان عمله وينضبط بالقانون الإداري وبالحضور والانصراف ولكن يبقى حضوره كغيابه، يجلس على كرسيه ويمارس كل الأعمال إلا عملاً واحدا هو العمل المكلف به، يوقع ثم يجلس بجوار زميل له قبل الوصول إلى مكتبه يسامره ويشرب الشاي أو القهوة ويبدأ تجهيز الإفطار، ثم يخرج موقعاً إذنا شخصياً أو رسمياً يحتاج لدقائق، أو يمكن أن يعالج عبر الهاتف، إلا أنه يصر على الخروج وطلب سيارة وسائق كي يصل إلى المكان الذي يريد، ليوصل رسالة أو يبحث موضوعاً أو يستفسر عن معاملة، فنون في إضاعة الوقت والزمن وتحايل على الذات والنفس قبل أن يكون تحايل على المسئول، تنظر في صحيفة الموظف اليومية من أعمال فلا تجد فيها ما يؤشر على عمل، تتصل على الموظف في مكتبه فلا تجده، وعندما تسأله يقول :"لك كنت في الوزارة".

يتفنن البعض ويقول يجب أن يكون في كل وزارة مراقب يراقب الموظفين، ولكن يا سادة يا كرام يا أصحاب النظريات حتى هذه المراقبة شكلية ولا قيمة لها وفي كثير من الأحيان المراقب بحاجة لمن يراقبه، ولكن الضمير يجب أن يعاد له الاعتبار؛ فبدونه لا يستقيم العمل ويبقى الانضباط الشكلي حاضراً والضمير غائبا،ً والنتيجة أجساماً وهياكل فارغة المضمون ولكنها منضبطة إدارياً.

نحن بحاجة إلى ثقافة إحياء الضمير في النفوس من جديد، هذا الضمير المعطل والغائب يجب أن نعيد له الحياة، أول خطوة في إعادة الحياة له هو أن يتذكر كل واحد منا أنه محاسب على وقته، ومحاسب على الثمن الذي يتقاضاه نظير هذا الوقت الممنوح أو المُشترى منه للوظيفة العمومية، والعمل أمانة يجب أن نؤديها بحقها ولا ننتظر مراقبا أو مسئولا طالما أن طبيعة عملنا واضحة، ولا ننتظر تكليفا فالخطة أمام كل مسئول عن فريق عمل واضحة وعليه تنفيذ الشق المناط به، وإلا أشرف له البقاء في بيته.

ضمائرنا يجب أن تحيى، تحقق لنا الرضا، أو لم يتحقق، حصلنا على الترقية، أو لم نحصل، شعرنا بالظلم أو بالإنصاف علينا أن نعمل ونسعى إلى إحداث التغيير المطلوب، ولكن دون تعطيل للعمل، الرضا الوظيفي مطلب، ولكن حتى يتحقق علينا واجبات يجب أن نقوم بها ونسعى إلى تحقيقه، المراقبة يجب أن تتحقق في النفس من ذاتها، والعامل أو الموظف عليه أن يعلم أن الله يراقب أعماله قبل أن يكلف العبد مراقبة العبد، ويا من تدعو للرقابة ابدأ بنفسك وراقبها وبضميرك وأعد له الحياة