Menu

المتضامنون: مصادر قلق أخرى لإسرائيل !... بقلم /د. عادل محمد عايش الأسطل

المتضامنون: مصادر قلق أخرى لإسرائيل !
د. عادل محمد عايش الأسطل

لم تكن تعلم إسرائيل يوما،ً أن تعاني قلقاً فاجأها من أوسع الأبواب ومن كافة الجهات، بحراً وجواً وبراً، بعد أن كان هذا الجانب مأموناً تماماً، وحتى لم يكن في الحسبان، وخاصةً ذلك الذي هبط عليها من دولٍ أوروبية وأمريكية، طالما كانت وطوال الفترة السابقة، تسلحت بهم وكانوا يتعاطفون معها، تلك الفترة التي كانت تعج بالدعاية الإسرائيلية، من حيث حقوقها الأخلاقية، وأسانيدها الدينية، وتوجهاتها الديموقراطية، في غابة من التخلف وتحفل بمنابت "الإرهاب والمخربين" وتفتقر إلى وصول التظلمات العربية والفلسطينية بوجهٍ خاص.
ومع تطور الصراع العربي الفلسطيني، ووصوله إلى مرحلة سلمية، ووصول الصوت العربي، إلى العمق الأوروبي والأممي، من خلال الحجج المقنعة، والدلائل الدامغة، إضافةً إلى ما يساندها من ممارسات الاحتلال اليومية ضد الفلسطينيين، والتي تطال كل شيء من بشر وشجر وأرضٍ وحجر، جعل الأمر ينقلب رأساً على عقب، وإن كان من فئات ليست بالكثيرة ولكنها ذات صوتٍ مسموع، مؤثرة بدرجةٍ أكبر لدى دولهم التي ينتمون إليها، لا سيما إذا ما تقاطعت مع مصالح تلك الدول، لذلك كان الحق لدى إسرائيل، لأن تشعر بهذا القلق وبالشدة التي أجبرتها بالإعلان عنه.
منذ بداية فرض الحصار السياسي والاقتصادي الشاملين على السلطة الفلسطينية، في إطار العقاب الجماعي "غير القانوني" في أعقاب الانتخابات الفلسطينية وفوز حركة "حماس" في العام 2006، وما أعقبها من تطورات وإجراءات تصعيدية إسرائيلية مكثفة والتي تضمنت حربها الشرسة ضد القطاع أواخر عام 2088، فقد تنبهت فئات مهمة، من داخل الشعوب العربية والإسلامية والغربية بوجهٍ خاص، إلى ما يدور بالضبط بشأن الصراع العربي - الإسرائيلي، أو بوجهٍ أدق الفلسطيني – الإسرائيلي، الأمر الذي رأت نفسها تفهم الواقع وتخرج عن صمتها، بل وتعلن بأنها ذات فعالية ونشاط كبيرين حتى في مخالفتها لدولها طالما يتعلق الأمر في نصرة مظلوم، وبعيداً عن العنف وإثارة المشكلات.
حيث تنامى ذلك النشاط، من خلال تنظيم العمل الإنساني وما يحمله من معانٍ أدبية وأخلاقية، ومن كافة الجهات والشعوب والمنظمات الدولية، نحو ما من شأنه نصرة الشعب الفلسطيني، ليس في الشتات وحسب، بل داخل حدود أرضه ووطنه.
وتجلى ذلك، في تسيير الوفود والقوافل، إلى الأراضي الفلسطينية تهدف إلى الاحتجاج على الأوضاع المزرية والمضافة على كاهل الشعب الفلسطيني ومنذ أكثر من 60 عاماً، حتى بلغ أوجها في قافلة "مرمرة" التركية في العام 2010، وما أعقبها من قوافل، نجح في صدها والحد منها الاحتلال الصهيوني، لكن دون أن يستطيع القضاء عليها بالكلية. بل زادت الشعوب تعاطفاً ومساندةً للشعب الفلسطيني وقضاياه العادلة، بالرغم من معرفتهم المسبقة، بخطورة إقدامهم على مثل هذا العمل وبالرغم ما حدث في أعقاب عمليات من هذا النوع، وخاصةً ما كان حصل خلال العملية الدموية التي قامت بها قوات الاحتلال، ضد السفينة التركية "مرمرة" والتي راح ضحيتها تسعة من المتضامنين الأتراك، وحصول مشكلات أخرى منها الطرد والحبس والتنكيل، لمعظم أولئك المتضامنين، وخاصةً أصحاب الأسماء الكبيرة، من نواب وحقوقيون ومحبي سلام.
وهكذا باتت إسرائيل ترزح تحت هذه الظاهرة، التي وإن بدت تكابر بشأنها، إلاً أنها تعمل لها حسابها، وإلاّ لما شوهدت إسرائيل على درجة عالية من العصبية والاستنفار الشديدين، سواءٍ في البحر أو الجو أو البر، في كل حالة تهوي إليها قوافل المتضامنين.
ربما في هذه المرحلة تستطيع إسرائيل، صد أنواعاً من هذه العمليات المؤيدة والمتعاطفة مع الشعب الفلسطيني، والجسورة في نفس الوقت ضد الاحتلال الإسرائيلي، والعصيّة على ممارساته، لكن لن يكون قادراً على درئها أو حتى الحد منها في المستقبل، بسبب أنها في تنامٍ مستمر، وبالتالي فهي أشد وقعاً ضد الاحتلال نفسه وبالذات في النفسية الشعبية الإسرائيلية بدرجةٍ أكبر، لاسيما وإننا جميعاً شعرنا بأن هناك أصواتاً متكاثرة، داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، من يعلو صوته ضد الاحتلال وتعاطفاً مع الفلسطينيين، وإن منهم قادة ورسميين آخرين.
لقد شهدنا ومنذ الأيام القليلة الفائتة، وإلى الآن، تجدد عمليات تنظيم قوافل المتضامنين، من خلال حملة "أهلاً فلسطين" الدولية، والتي هبطت من الجو هذه المرة، من بلادٍ شتى، وفي العمق الإسرائيلي "مطار بن غوريون" الذي شهد حركة مكثفة لوصول أولئك المتعاطفين، بهدف الوقوف إلى جانب الحق الفلسطيني، والمطالبة بإنزال العقاب ضد دولة الاحتلال الصهيوني، وفي نفس الوقت أربكت القيادة في إسرائيل في كيفية التعامل معها وصدها أو إحباطها، ليس في هذه المرة بالضبط، وإنما في المرات القادمة الأصعب، الأمر الذي باتت عاجزةً عن درء ذلك الخطر، الذي لم يكن في الحسبان قط، فقامت إلى إشراك الدول الأخرى معها، مثل الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا، وتركيا وغيرها من البلدان، التي استجابت لدعوات إسرائيل، بعرقلة وصول المتضامنين إلى إسرائيل، من قبيل إجراءات منع الدخول إلى أراضيها، أو إلغاء حجوزات السفر أو رفع قوائم "سوداء " بأسماء الكثير منهم بحجة أنهم سيعملون على الإخلال بالسلام وغير ذلك، وقامت شركات "بتجاوز القوانين المتبعة بإلغاء رحلاتها إلى إسرائيل، مثل شركة "لفتهانزا،" الألمانية و"إير فرانس" الفرنسية. ومن جهتها قامت إسرائيل بعمليات ترحيل قسرية ضدهم، والتي هي في الأساس لن تكون مجدية، لا على المدى القصير على ما يبدو ولا الطويل.
وإن عمليات قمع الاحتلال ومحاولات منع المتضامنين من الوصول الى فلسطين لن يوقف تدفقاتهم، التي ستتواصل وتتسع في مختلف الأراضي المحتلة، ومن مختلف الجهات في العالم، بل وستزيد من جذوتها، وستصبح إشعاعاً آخر يصب في صالح القضية الفلسطينية
القاهرة