Menu

زيارة موفاز والتهتك الفلسطيني /بقلم ... عبد الستار قاسم

زيارة موفاز والتهتك الفلسطيني

بروفيسور عبد الستار قاسم

29/حزيران/2012

لا تترك السلطة الفلسطينية فرصة لإدانة نفسها والكشف عن زيف خطابها للناس إلا وانتهزتها سواء كان في أمور داخلية أو خارجية. على الصعيد الداخلي، لم تأخذ السلطة أمر المسلحين الذين قاتلوا الناس ونهبوا أموالهم بجد إلا بعد أن أخذت نشاطاتهم تمس السلطة مباشرة، وظهر أمام الناس أن كل الإعلام عن توفير الأمن كان يتحدث عن ظاهرة خف عنفوانها، لكن فتيلها بقي مشتعلا. حتى أنها عقرت الفلاحين ولم تقدم لهم 600,000 شتلة بطيخ هذا العام كما وعدت، وأغرقت السوق الفلسطينية بالبطيخ الصهيوني.

 

أما على صعيد الخارج، استمرت السلطة بالمفاوضات مع الكيان الصهيوني تحت عناوين مختلفة على الرغم من تأكيدها المستمر أنها لن تفاوض ما دامت المستوطنات تتسع مساكن وسكانا. بين الفينة والأخرى، تطرأ زيارات ولقاءات هنا وهناك، ويقف المسؤول الفلسطيني قائلا إن هذه ليست مفاوضات، إنها "انفاخ وليست حبلا". حصلت مفاوضات في القدس والأردن، ومن المتوقع أن يزور موفاز الصهيوني رام الله قريبا، وغير ذلك. والأدهى أن مسؤولين يشاركون بمؤتمر هيرتسيليا السنوي الذي يبحث بتمكين إسرائيل على المستوى الاستراتيجي.

 

لقد دأبت عبر الأيام التأكيد في وسائل الإعلام على أن المفاوضات مع الجانب الصهيوني لم تتوقف، وهي تأخذ أشكالا غير الطاولة المعلنة أمام وسائل الإعلام، وأن السلطة الفلسطينية لا تملك أمرها، ولا تستطيع وقف المفاوضات. وكررت أن وقف المفاوضات، حتى لو تم، لا يشكل أمرا مهما لأن إسرائيل ليست مهتمة بالمفاوضات وإنما بالتنسيق الأمني، وإذا أراد الجانب الفلسطيني أن يكون جادا في موقفه من الاستيطان فإن عليه إلغاء التنسيق الأمني بصورة تامة ونهائية. إسرائيل اهتمت بالمفاوضات حتى اتفاق طابا وذلك لتحقيق هدفيها المعلنين منذ عام 1968 وهما: تسليم الشؤون المدنية لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة لسلطة عربية أو فلسطينية، وضمان حرص هذه السلطة على الأمن الإسرائيلي.

 

تحقق لإسرائيل ما أرادت، وأصبحت المفاوضات بعد ذلك مجرد آلية لاستهلاك الوقت، وتشتيت الشعب الفلسطيني معنويا واقتصاديا وسياسيا وأخلاقيا، والعمل على لتحويله إلى مجرد أفراد يبحثون عن مصالحهم الخاصة، وإلى عبيد للراتب الذي يتحكم به أهل الغرب والكيان الصهيوني. ولهذا لا نرى إسرائيل وأمريكا مهتمتان جدا بتصريحات الجانب الفلسطيني حول وقف المفاوضات. ولكننا سنرى هيجانا غربيا وصهيونيا لو قررت السلطة إلغاء التنسيق الأمني والعودة إلى الشعب الفلسطيني.

 

ربما يأتي موفاز إلى رام الله، وربما يلغي زيارته. سواء كان هذا أو ذاك، سنقرأ بيانات صادرة عن الفصائل المختلفة الوطنية والإسلامية تدين الزيارة وتهاجم السلطة، لكننا سنرى قادة الفصائل عند مسؤولي السلطة في اليوم التالي يطلبون منهم بعض النعم، أو يتبادلون معهم القُبل. أما شباب فلسطين فلا يبدو أنهم مكترثون، ولا المثقفون والمفكرون. تهتك مرعب يحصل على الساحة الفلسطينية، واستهتار كبير بالشعب الفلسطيني ونحن نغط في جبن شديد. الشباب منهمكون إما في الدفاع عن فصائليتهم أو بمغريات الحياة، وأغلب المثقفين يرون في الدفاع عن مصالح الوطن تضحية بأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

 

هل شباب فلسطين أقل شجاعة من شباب تونس؟ ألم يحملوا على أكتافهم هموم الوطن سنين طويلة؟ أيعجزون الآن عن المساهمة في تصويب المسار؟

 

هذا الوطن وطننا، والديار ديارنا، وهذه البلاد بلادنا، وهي أمانة في أعناقنا إلى يوم الدين، يوم تتبدل الأرض غير الأرض، ويقوم الناس ليواجهوا حسابهم. كل واحد منا يتحمل مسؤولية ولو بدرجات متفاوتة، وعلينا أن نرفع صوتنا في مواجهة الخذلان والاستهتار والزيف والتسويف والتزوير. هذا السياسي الذي يساوم أو يهادن ويفرط بالحقوق ليس باق، الأرض باقية، وبقاؤنا في حضنها منوط بإرادتنا. من لا إرادة له، لا وطن له؛ والتحرير لا يتحقق إلا على يد من قرروا أن يكونوا سادة أنفسهم.