Menu

"صناعة العدو البديل " ليوسف رزقه المستشار السياسى لرئيس الوزراء اسماعيل هنيه

في إشارة ذات مغزى قالت الأركان الأميركية أن قواتها في ( مالطا) جاهزة لإجلاء الرعايا الأميركيين في ليبيا. جاء هذا التصريح بعد محاولة ( خليفة حفتر) الثانية للانقلاب على الدولة الليبية. وكانت السعودية قد أغلقت سفارتها تحسبا لأعمال ضدها بعد الاتهامات المباشرة لها بتدخلها ودول أخرى في الشأن الليبي.
في تعقيب صريح لمراقب عام الإخوان في ليبيا أتهم دولا عربية ثرية بتمويل عملية انقلاب فاشلة في ليبيا بدعمها للواء المتقاعد خليفة حفتر، واللافت للنظر في تصريح المراقب العام التزامه بالشرعية وبالمؤسسات، وتأكيده على فشل كل انقلاب على الشرعية، لأن السلاح في الثوار والقبائل، ولن يقبل أحد بعودة الديكتاتورية.
حفتر يرفع عنوان (كرامة ليبيا) ، ولكنه خلف العنوان يخوض معركة بالوكالة عن أميركا ودول عربية ضد الإخوان المسلمين، وضد التيارات الإسلامية، حيث وصفهم جميعا بالإرهاب، نيابة عن السادة الكبار الممولين.
تهمة الإرهاب صارت التصريح الذي تمرّ من خلاله الثورة المضادة في دول الربيع العربي، وهو أيضا التصريح الذي يمرّ من خلاله أعداء الحركات الإسلامية إلي خزائن الدول الثرية التي قررت مبادأة الإخوان بالقتال والحصار في كافة المواقع والعواصم.
إستراتيجية (صناعة العدو البديل) في جوهرها إستراتيجية إسرائيلية قديمة. حين تفكك الاتحاد السوفيتي عملت الإستراتيجية الصهيونية على نصب الإسلام وتياراته عدوا بديلا لأميركا والغرب، ونجحت هذه الإستراتيجية في العديد من الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي،إضافة إلى أفغانستان. واليوم تبدو هذه الإستراتيجية أكثر نجاحا في المنطقة العربية بعد ثورة الربيع العربي في تونس، ومصر، وليبيا وسوريا واليمن، وتهديدها لدول أخرى.
لقد أتمت مراكز الأبحاث الصهيونية تسويق هذه الإستراتيجية في العديد من العواصم العربية، وخلقت لديها دافعا ذاتيا لمقاتلة التيارات الإسلامية تحت مسمى الإرهاب، والغريب في الأمر أن هذه العواصم قبلت بتل أبيب شريكا لها في مواجهة الربيع العربي والتيارات الإسلامية، وتلاشت مواقف التحفظ القديمة في التعاون مع إسرائيل.
في ليبيا أدرك الثوار فيما يبدو أبعاد المعركة التي تجري على أرضهم، والتي تستهدف إطالة المرحلة الانتقالية، وتعظيم المعاناة اليومية، وحرمان التيارات الإسلامية من الشراكة في بناء الدولة القادمة، لذا قرر الثوار مواجهة التدخلات الخارجية بقوة السلاح من ناحية، وقررت الحكومة الليبية الإسراع في الانتخابات البرلمانية في نهاية الشهر من ناحية أخرى، وهي تأمل أن تنجح في تثبت الشرعية ، واحتواء حفتر وجماعته.
ليس لحفتر وجماعته قوة شعبية تمكنهم من الحصول على نصيب محترم في البرلمان القادم، لذا تعجلوا التمرد واستعمال السلاح لإفشال الانتخابات، واتجهوا إلى الحلول العسكرية التي تعطيهم نصيبا أكبر، وهذا ما يفسر توقيت هذه المعارك، ويفسر أيضا هذه الاتهامات، ويفسر هذا التمويل المالي الكبير لحفتر وجماعته بحسب تصريحات ليبية لم تخف شخصيتها.
الإخوان في كلمة المراقب العام كعادتهم في العواصم الأخرى يمدون رجال دعوة وإصلاح، لذا فهم يمدون يد المصالحة لحفتر وغيره، رغم لغة العداء الشديدة التي تحدث بها الناطق الرسمي باسم قوات حفتر. وفي ضوء هذه المفارقة يجب أن تستحضر ثوار ليبيا وبالذات التيارات الإسلامية التجارب العربية، وأن تستخلص العبر، قبل أن تدخل إلى السجون مرة أخرى.