Menu

تعطيل المجلس التشريعي الفلسطيني.. بقلم/ عبد الستار قاسم

استنفرت وسائل إعلام النظام الفلسطيني الفاشل يوم فتحت ملفي القانون الثوري الفلسطيني والقانون الأساسي للسلطة الفلسطينية بخاصة قانون الانتخابات. استنفرت مذيعة تلفزيون فلسطيني وهي ابنة آل عياد من بيت لحم، وأخذت توجه الاتهامات ضدي جزافا، وقالت إن المدعو عبد الستار قاسم يدعو إلى قتل رئيس السلطة الفلسطينية.

 لقد تصرفت بعنجهية وجهالة وكذلك فعل ضيفاها: الشيخ الذي نصب نفسه مفوضا إلهيا، والأستاذ الجامعي الذي رضي لنفسه خيانة الأمانة العلمية ووجهته المذيعة بالطريقة التي أمروها باتباعها. والآن عليكم أن تستنفروا مرة أخرى لأن جريمة تعطيل المجلس التشريعي الفلسطيني لا تقل عن جريمة تجاوز القوانين الفلسطينية، وعلى الشعب الفلسطيني أن يحاكم الذين عطلوا المجلس التشريعي، كما أن عليه أن يحاكم الذين تجاوزوا القوانين الفلسطينية والميثاق الوطني الفلسطيني. حسب قناعتي، المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب عام 2006 لم يعد شرعيا لأن مدته قد انتهت، لكن إذا كان هناك من يرى أن رئيس السلطة شرعي فإن عليه أن يعترف بشرعية المجلس التشريعي من باب أن "اللغوصة" تنطبق على الجميع. ويبقى موقفي أن عدم احترام القوانين والأنظمة واللوائح يسوقنا إلى الفوضى والتهاوي أمام كل التحديات وعلى رأسها تحدي الاحتلال.

 السؤال المطروح هو: هل هناك من دولة أو سلطة سياسية أو مجتمعية في الأرض تعمدت تعطيل مجلسها التشريعي والاستيلاء على صلاحياته من قبل السلطة التنفيذية؟ السلطة التشريعية هي السلطة الأولى في الدولة، واحترامها يعبر عن احترام الدولة لنفسها وشعبها وللجمهور الذي ذهب إلى صناديق الاقتراع ليختار. والسلطة التشريعية هي المجس الحساس جدا لحاجة المجتمع للقوانين وضبطها حتى تمنع الفوضى والاحتراب الداخلي. وتتعزز السلطة التشريعية بسلطة قضائية مستقلة لا تنحني لضغوط أو مصالح متنفذين. انتخب الشعب الفلسطيني عام 2006 مجلسا تشريعيا وفازت حركة حماس بأغلبية المقاعد.

 عقد المجلس التشريعي جلسات قليلة، لكنه منع من الانعقاد بعد سيطرة حماس على قطاع غزة. ما جرى في غزة هو صراع بين حركتي فتح وحماس، ولا علاقة لهذا الصراع باختيار الشعب الفلسطيني الذي أفرزه صندوق الانتخابات. إذا تخاصم تنظيمان فإنه من غير المعقول أن يكبا خصامهما على الشعب الفلسطيني. الشعب الفلسطيني غير مقتنع بأن الخصام أفرزته مصالح الشعب الفلسطيني، وإنما الشعب على قناعة أن المصالح الفئوية والفصائلية هي التي تطغى عادة على مصالح الشعب.

قامت السلطة التنفيذية في الضفة الغربية بتعطيل المجلس التشريعي ومنعت انعقاده بالتوازي مع جلسات أعضاء المجلس التشريعي في قطاع غزة. منذ سنوات والمجلس التشريعي لا يعمل، وأنيطت صلاحيات إصدار القوانين برئيس السلطة الفلسطينية. وهذا خرق كبير لإرادة الشعب ومصالحه، وهو عمل مدمر يؤدي إلى الكثير من الفوضى السياسية والمجتمعية، وبدل أن يتم تصحيح أوضاع الشعب الفلسطيني والسير نحو تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، ساهمت السلطة التنفيذية في تمزيق الشعب وبعثرة جهوده، وبث مشاعر الكراهية والبغضاء بين الناس.

 الآن يقع الشعب الفلسطيني تحت استبداد مرعب وطغيان، ولا يتلكأ بعضهم في القول إن الديمقراطية الفلسطينية لا مثيل لها في العالم. ليتهم وبالتحديد رئيس وزراء السلطة الذي أشاد بالديمقراطية الفلسطينية يشرح لنا كيف نكون ديمقراطيين ونحن نتعمد تعطيل المجلس التشريعي. عطل الاحتلال البغيض المجلس التشريعي عندما اعتقل أعضاءه، لكن الاحتلال معني بهذا الأمر لأنه يعتبر حماس حركة إرهابية مقاتلة. لقد ضرب الاحتلال كعادته المبادئ الديمقراطية بعرض الحائط، ووقفت معه الدول الاستعمارية الغربية التي تنكرت للمبادئ الديمقراطية التي دأبت على الترويج لها.

وحيث إن الاحتلال قد وقف ضد المجلس التشريعي، كان واجبنا الوطني يلزمنا جميعا بالوقوف مع هذا المجلس ونسهل له أعماله ليكون في ذلك تحديا كبيرا وحقيقيا للاحتلال. أما عندما قررنا تعطيل المجلس، فقد ظهر أمام العالم أن السلطة الفلسطينية والاحتلال يوزعان الأدوار، وتمت الإساءة بصورة خطيرة لصورة الشعب الفلسطيني الذي من المفروض أن يناضل من أجل حريته إذا أراد أن يتحرر من الاحتلال. تعطيل المجلس التشريعي يخدم من؟ ليت رئيس السلطة الفلسطينية يقدم لنا محاضرة يشرح فيها ديمقراطية هذا التعطيل والتزامه بالقوانين الفلسطينية والفوائد التي تعود على الشعب بسببه. نعرف أن المجالس التشريعية في أغلب البلدان العربية لا تشرع، وهي أدوات بيد السلطة التنفيذية، ونعي تماما أنه من السهل شراء أعضاء هذه المجالس لتؤيد السياسات الفاسدة للحكام العرب. ونحن نعرف أن الملك أو الرئيس يستطيع حل المجلس التشريعي وقتما يشاء ويدعو إلى انتخابات جديدة خاضعة للتلاعب والتزوير.

لكن هذه الدول ليست قدوتنا ولا هي المثل الأعلى الذي نحتذي به. الفلسطينيون تفوقوا استبداديا على الاستبداد العربي لأنهم أقفلوا المجلس التشريعي ومنعوه من الانعقاد. الحكام العرب خجلوا من إغلاق المجالس التشريعية، لكن قادة فلسطين الواقعين تحت الاحتلال لم يخجلوا من دوس إرادة الشعب الفلسطيني الانتخابية بأحذيتهم. باختصار، تعطيل المجلس التشريعي جريمة كبيرة بحق الشعب الفلسطيني، ويجب تحديد المسؤول أو المسؤولين عن هذا التعطيل وجلبهم للتحقيق والمحاكمة.

هذه خيانة عظيمة تطعن الشعب الفلسطيني وإرادته السياسية الحرة. على أعضاء المجلس التشريعي أن يجهروا بما جرى، وأن يوجهوا أصابعهم بوضوح إلى كل من عمل على تعطيل المجلس، والتحقيق إن شاء الله آت والعقاب لا بد أن يحل بمن أجرموا.