Menu

خطوط حمراء ولا ثوابت فلسطينية وعربية الكاتب / راسم عبيدات


خطوط حمراء ولا ثوابت فلسطينية وعربية
الكاتب / راسم عبيدات
1

كل القيادات الإسرائيلية من مختلف المكونات والمركبات الحزبية والمجتمعية الإسرائيلية من يسارها الى أقصى يمينها متفقة تماماً بغض النظر عن الخلافات في الجوانب التكتيكية بان الإستيطان هو مرتكز أساسي ومكون ثابت من ثوابت أي حكومة اسرائيلية ويصل حد القدسية ولا يجب المساس به،ومن يريد الإنتحار سياسيا من القيادات الحكومية او البرلمانية الإسرائيلية فليدعو الى وقف الإستيطان او حتى تجميده،ليجد نفسه على ابعد تقدير بعد أسبوع او شهر خارج الحكومة والبرلمان،فعدا ان الغزوة الصهيونية الأولى لفلسطين جاءت على أساس الإستيطان وطرد شعبنا الفلسطيني وإحلال المستوطنين مكانهم،فإن اسرائيل في الوقت الذي تمارس عليها أية ضغوط لكي تخوض مفاوضات مع اطراف عربية او فلسطينية تبقى ممسكة بثوابتها ولا تقدم أي تنازل قيد انمله يمس بثوابتها واستراتيجياتها،بعكسنا تماماً نحن العرب والفلسطينيون لا نمسك بأي ثابت ولا يوجد لدينا لا تكتيك ولا استراتيجيات،فقط نتعاطى مع الأمور وفق ردات العفل ورؤية واستراتيجية القائد والزعيم،لأن معظم ان لم يكن جميع مؤسسات التشريعية والقيادية ديكورية او هي مؤسسات لحين الطلب،وتقول بما يقوله الزعيم الملهم القائد الذي لا ينطق عن الهوى،فعلى سبيل المثال لا الحصر عندما عقد مؤتمر مدريد في تشرين ثاني/1991،وطرح رئيس حكومة دولة الإحتلال انذاك شامير موقفاً وخياراً واضحاً بأن اسرائيل مستعدة لمفاوضة العرب والفلسطينيين عشرين عاما او حتى مئة عام دون ان تعطيهم شيئاً،وعلى هذا النهج والخيار صارت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من يسارها ليمينها،ولم تطرح أي حكومة اسرائيلية أي موافقة على قرارات الشرعية الدولية تصل حد الإعتراف بالحد الأدنى من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران /1967 وعاصمتها القدس وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفق القرار الأممي 194،حتى اتفاق اوسلو الانتقالي الذي قسم الأرض والشعب الفلسطيني،وشكل النصر الثاني لدولة الإحتلال بعد النكبة بلغة ثعلب السياسية الإسرائيلية "بيرس"،لم تلتزم به اسرائيل وعندما جاء نتنياهو للحكم،فاوض الفلسطينيون على المفاوض عليه اتفاق الخليل وفتحه مجدداً.
ومن بعد ذلك كان الإعتراف المتبادل بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني في جلسة "فزعة" دعي لها المجلس الوطني بعد تعطيل دام سنوات،واسرائيل لم تنفذ من هذا الإتفاق شيئاً،وامام هذا "التغول" والتوحش" والعنجهية الإسرائيلية في ظل ميزان قوى مختلة لصالح دولة الإحتلال،وحالة عجز وانهيار عربي،أصبحت عاجزة تطبل للهزيمة على انها نصر "مبجل"،جرى استدخال مفاهيم وقيم الهزائم والتنظير لها،لكي يغدو حال العرب الإستجداء على أبواب المؤسسات الدولية والبيت الأبيض،وحتى يستر العرب عوراتهم ويحفظوا ماء وجوههم امام شعوبهم المقهورة والتي يتعاملون معها كقطعان أغنام،كانت مبادرة السلام العربية التي طرحت في قمة بيروت عام/2002 ،تلك المبادرة التي رفضتها اسرائيل وردت عليها بإجتياح الضفة الغربية ومحاصرة الرئيس الشهيد أبا عمار في المقاطعة برام الله،ومنذ ذلك التاريخ لا يملك العرب سوى الإستجداء والإبتهال الى الله ان تستر اسرائيل وجوههم وتقبل تلك المبادرة،ولكن اسرائيل لمعرفتها بهم،بخستهم ونذالتهم،كانت ترفض مبادرتهم وتركلها ركلاً،وهم يقومون بترحيلها من قمة الى اخرى ويهبطون بسقفها حتى تقبل بها اسرائيل ولكن دون جدوى،فهم أسقطوا كل الخيارات وفي المقدمة منها خيار المقاومة وحتى استخدام القوة الإقتصادية والمالية ونقاط القوة العربية في الضغط على اسرائيل وداعيميها من الأمريكان والغرب الإستعماري،أسقطوها من خياراتهم وحساباتهم.
هذا الضعف عكس حاله ضعفاً على الساحة الفلسطينية،فعدا عن ضعفها إنقسمت على نفسها،واستمرت بتجريب المجرب،خيار المفاوضات مع اسرائيل عشرين عاماً بكل أشكالها والنتيجة المزيد من ضياع الأرض والحقوق،وتكريس للمشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية عبر "تسونامي" إستيطاني غير مسبوق.

السلطة الفلسطينية والعرب لم تعد لديهم أية خيارات أو رؤى واستراتيجيات يعملون وفقها او على تطبيقها وترجمتها الى فعل على أرض الواقع،بل يتخذون القرار وسرعان ما يتخلون عنه ادخلهم كيري بعد كل الفشل للخيار التفاوضي في مفاوضات ماراثونية لمدة تسعة شهور،وكان الفشل مدوي والبديل مواصلة التفاوض،والتهديد بعدم الإلزام بالإتفاقيات ومراجعة العلاقة الأمنية والإقتصادية والسياسية مع دولة الإحتلال،ولكن بقيت تلك التهديدات حبر على ورق،ومجرد قنبلة دخانية.

أما العرب وبعد ما يسمى ب" الثورات العربية" ودخولهم في حروب التدمير الذاتي والحروب المذهبية والطائفية،فلم تعد لا القضية الفلسطينية ولا القدس بوصلتهم او قضيتهم المركزية،بل في ظل خوف على عروشهم وكراسيهم وانشغالهم في همومهم القطرية والذاتية،وصلت بهم الأمور الى حد حرف الصراع عن قواعده وأسسه من صراع عربي – اسرائيلي الى صراع عربي- ايراني،وذهبوا أبعد من ذلك حيث العديد من الدول العربية اخرجت علاقاتها السرية مع اسرائيل من السر الى العلن،وأخذت تتعاون وتنسق مع دولة الإحتلال عسكرياً وامنياً وسياسياً،ولتصل الأمور الى حد موافقتها على تعديل مبادرة السلام العربية،بحيث لا تشترط عودة الجولان السوري المحتل ولا حق العودة للاجئين الفلسطينيين،ولكن رغم كل ذلك يعلن نتنياهو رفضه لها،ويقول بان المبادرة العربية للسلام يجب ان تقوم على التطبيع مقابل السلام.

لم يقف الإستجداء والإنهيار العربي والفلسطيني عند هذا الحد،حيث صوتت اربع دول عربية وتركيا الإسلامية حامية حمى "غزة والقدس" في الأمم المتحدة الى جانب المتطرف الإسرائيلي "داني دنون" لترأس اللجنة القانونية في الأمم المتحدة المعنية بالتشريع للقانون الدولي ومكافحة الإرهاب وطرق وسبل التصدي له.

وبالمقابل فلسطينياً وجدنا بأن عضو لجنة تنفيذية وامين عام فصيل فلسطيني وإن كان حجمه ميكروسكوبي يتوجه بدون علم او موافقة اللجنة التنفيذية للمنظمة الى مؤتمر هرتسيليا الذي يرسم إستراتيجيات لدولة الإحتلال حول سبل حمايتها والدفاع عنها في ظل شرق اوسط مضطرب،حالة غير مسبوقة ضحية تذهب الى عقر دار محتلها الذي يشن حرباً شاملة على شعبها،ويصدر المزيد من القوانين العنصرية التي تصف نضال شعبنا بالإرهاب،ولكي يقول لنا بان هذا المؤتمر ساحة إشتباك سياسي..؟؟ ومن يرى غير ذلك فهو مصاب ب"الحول" السياسي،أي هراء وإنهيار هذا،لكي نصل حد الإنبطاح والإستجداء؟؟.

حتى يكون لنا خطوط حمراء فلسطينياً وعربياً يجب ان نعيد الإعتبار لذاتنا،وان نغادر عقدة "الإرتعاش" السياسي المستديمة في التعامل مع أعداءنا،ويجب علينا ان نعمل على تعديل ميزان القوى مع عدونا ومروحة داعيميه إقليمياً ودولياً،وان نستخدم كل مقومات وعوامل قوتنا في معركتنا والدفاع عن حقوقنا ومصالحنا،وان نعيد الإعتبار الى مؤسساتنا التشريعية والتنفيذية والقضائية،وأن لا نبقى أسرى لخيار التفاوض والتنازلات المجانية،وان نعيد الإعتبار للخيارات الأخرى من مقاومة وعقوبات اقتصادية وغيرها،وان نشيع الديمقراطية والتعددية والفكرية والسياسية،ونطلق الحريات العامة والشخصية،وان نفسح المجال للمشاركة في السلطة والقرار لأوسع طيف ومركبات وبالذات الشباب.
إن استمرار "اندلاقنا" واستجداءنا لأعداءنا لن يقودنا سوى الى المزيد من الضياع "والتوهان" وفقدان البوصلة وضياع الحقوق والأوطان،هي لحظة فارقة علينا ان نلتقط ما يجري عندنا وحولنا،لكي نوظف ذلك لخدمة قضيتنا ومشروعنا الوطني ولمصلحة امتنا وشعوبنا العربية،وإلا سنجد أنفسنا أمام دويلات وكيانات اجتماعية هشة تقودها وتديرها اسرائيل.

بقلم :- راسم عبيدات
القدس المحتلة – فلسطين