Menu

العشر الأواخر تنكأ جرح بُعد المعتكفين عن الأقصى

ينهي الستيني خير الشيمي (أبوبكر) إفطاره سريعا، فيتوضأ ويحمل سجادة الصلاة على كتفه الأيمن، ويحث الخطى نحو المسجد الأقصى المغلق بسبب جائحة كورونا ليصلي على أبوابه، يعلل إسراعه للجزيرة نت فيقول "شرطة الاحتلال تحدد أعداد المصلين في ساحة الغزالي المقابلة لباب الأسباط، فأسعى لأصل أولا قبل اكتمال العدد".

يؤمن الشيمي أن صلاته في أقرب نقطة إلى الأقصى كصلاته داخله، فقد أبعده الاحتلال الإسرائيلي عن المسجد أكثر من عشرين مرة، فاعتاد الصلاة على أبوابه ليلا ونهار، صيفا وشتاء، ولم يضره إغلاق المسجد وإبعاده عنه هذه المرة بسبب كورونا.

دخلت العشر الأواخر من رمضان على الشيمي، يقف واضعا كمامته قبالة باب الأسباط، إلى جانب بضعة مصلين في صفوف متفرقة، يكبر تكبيرة الإحرام مع وصول صوت إمام المسجد الأقصى إلى مسمعه، فتنهمر ذكريات الاعتكاف في عقله وتنكأ جرح الشوق في قلبه.

بدأ الشيمي رحلة الاعتكاف بالمسجد الأقصى منذ عشرة أعوام، كان في بدايتها يأتي عبر حافلات البيارق من بيته في عكا شمالي فلسطين والذي يبعد عن القدس نحو 164 كيلومترا، ثم اتخذ لاحقا بيتا له في القدس ليُقرّب المسافات إلى المسجد الذي تعلقت روحه به

ذكريات الاعتكاف
قبل كورونا، كان المسجد الأقصى يُفتح أمام المصلين على مدار الساعة في العشر الأواخر من شهر رمضان، بعد أن كان يغلق بعد صلاة العشاء حتى الفجر. وفي تلك الأيام العشر يختار المئات اعتزال أهليهم والتزام الأقصى ليلا ونهارا للعبادة.

يستذكر الشيمي لحظات اعتكافه في الأقصى فيقول للجزيرة نت "الاعتكاف في الأقصى لم يكن في الليل فقط، بل إن أكثر عبادات الاعتكاف أهمية لدينا كانت عبادة "المراغمة" حيث كنا نحضر نهارا في الساحات لإغاظة المستوطنين المقتحمين للأقصى المنتهكين حرمته".

ويضيف "بشوفوني ختيار (مسن) لكن عندي روح شباب، أشتاق لاعتراض المستوطنين في العشر الأواخر"، ولا ينسى الشيمي حين لبث محاصرا أسبوعا كاملا مع مجموعة من المصلين داخل المصلى القبلي عام 2010، حيث أمضى اعتكافه داخل المصلى بعد حصار قوات الاحتلال له ومنع إدخال الطعام والشراب.

يقارن الشيمي بين حال الأقصى في العشر الأواخر من رمضان الحالي والماضي، فهو فارغ تماما اليوم بعد أن كان يعج بمئات آلاف المصلين المعتكفين. ويختم قائلا "أشتاق لزاوية في الأقصى أتخذها للخلوة وقراءة القرآن، أشتاق لدروس العلم وقيام الليل جماعة، أشتاق لخزانة صغيرة حفظت ورفاقي فيها مؤونة السحور والإفطار".

حياة كاملة بالأقصى
لم يكن الصحفي محمد عتيق (28 عاما) يعلم أن فراقه عن الأقصى في رمضان الماضي سيطول ولن يصل إلى عام 2020، فشهر رمضان هو الفرصة السنوية الوحيدة له لدخول الأقصى والاعتكاف فيه، فهو يسكن بلدة بُرقين قضاء جنين شمالي الضفة الغربية ويمتلك بطاقة هوية خضراء يمنعه الاحتلال بسببها من دخول القدس، شأنه كآلاف الفلسطينيين الذين يخاطرون بحياتهم وحريتهم للوصول إلى الأقصى في رمضان.

على مدار سبع سنوات خلت، خاطر عتيق عبر طرق عديدة مليئة بجدران فاصلة تصل إلى سبعة أمتار، وحبال وسلالم تركت خدوشا في يديه وخفقات قلب سريعة تزامنت مع ملاحقة قوات الاحتلال. لم يكن عتيق يفكر حينها بالعواقب، كان يُقدِم وعيناه صوب الأقصى.

اعتاد عتيق أن يودع عائلته منتصف كل رمضان ليقضي نصفه الآخر وأول أيام عيد الفطر بالأقصى. ويقول للجزيرة نت إن الحسنة الوحيدة لإغلاق الأقصى في رمضان الحالي هي اجتماعه بأهله وولائمهم التي غاب عنها منذ سنين.

احتار عتيق كيف يعتكف بعيدا عن الأقصى، ساعده على ذلك والده إمام المسجد، الذي يجمع عائلته لإمامتهم في صلاتي الفجر والتراويح، وشجعه أبناء الحي والأقارب الذي اجتمعوا في ساحات مفتوحة لأداء الصلاة.

تصوير وعبادة
يعتكف عتيق في بُرقين وعقله وقلبه في القدس ومسجدها، ففي هذه الأوقات من العام الماضي كان يجهز حقيبة كبيرة يضع فيها ثيابه ومتاعه، وكان يقضي وقته بين تصوير وعبادة وراحة، فهو مصور بارع صنع أرشيفا صوريا ضخما للأقصى في رمضان والعيد، سلبه الاحتلال إياه بعد اعتقاله الأخير.

في بداية جائحة كورونا، تفاءل عتيق بزوالها قبل رمضان، فقد خطط لإعادة بناء أرشيفه الصوري الخاص، والتقاء أصدقائه من القدس والضفة الغربية والداخل الفلسطيني الذين لا يلتقيهم إلا في ليالي الاعتكاف الرمضاني بالأقصى، لكن خططه وآماله تبددت.

وثّق عتيق صوريا وكتابيا وقلبيا ذكريات الاعتكاف السعيدة والأليمة على مدار السنوات السابقة بدءا باقتحامات الأقصى وإبعاد مصليه خلال العشر الأواخر وليس انتهاء بخيمة الاعتكاف التي نصبها وأصدقاءه غرب الأقصى لينام فيها ويغسل ملابسه.

وللمفارقة، يجلس عتيق في بيته اليوم آمنا مرتاحا، لكنه يقول إنه يفتقد التعب اللذيذ أثناء الاعتكاف، حيث كان ينام أحيانا على أرض المسجد لشح البطانيات، ويحذر الذهاب إلى الحمام خارج أسوار الأقصى كي لا يعتقله الاحتلال أثناء خروجه فلا يتمكن من العودة.