حبل الكذب قصير .... بقلم/أ.د يوسف رزقة
أمراض الحاكم العربي عديدة مديدة. الحاكم العربي نفسه جزء من سياق مريض بشكل عام.
أسباب المرض داخلية وليست خارجية. الحكام ليسوا سواء في أمراضهم. هم متفاوتون ولكن داخل الدائرة نفسها. جل المرض يتركز في الفساد المالي والإداري وقمع المعارضين، ألوان الفساد أنتجت تخلفاً حضارياً وثقافياً وتقنياً علمياً. ألوان الفساد قاسية كلها، غير أن (الكذب والتضليل) هو أشدها قسوة. بعضهم يمارس الكذب والتضليل كما يمارس الطعام والشراب.
القضية الفلسطينية ترزح منذ زمن تحت أطنان من الكذب. مرة قالوا (ما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة)، صفق الشعب وفرح وانتظر ، ثم اكتشف أنها كلمة حق أريد بها باطل، فقد تركوا القوة جانباً وقالوا (السلام خيار استراتيجي) وآلية السلام (مفاوضات أرض مقابل السلام)، وكذبوا فلا أرض تحررت ولا سلام قام!! وقال تابعهم: (الحوار والمصالحة والورقة المصرية والتوقيع) هي الطريق للشراكة واستعادة العافية والتفرغ للاستيطان. ولكن قوله بقي في إطار المراوغة والتضليل الإعلامي، لأن من يرد المصالحة والورقة المصرية لا يمارس التضليل. لا مصالحة بدون صدق وشفافية.
في الذكرى الخامسة والأربعين لانطلاقة حركة فتح وقف تابعهم خطيباً فأفسد على فتح الذكرى بأراجيفه، فزعم أن حماس عرضت عليه التمديد للرئاسة والتشريعي لمدة 15 عاماً. وزعم أنها قالت له نحن مستعدون للتوقيع على الورقة المصرية ولكن ليس في مصر. وزعم أنه رفض العرض لأن أخلاقه لا تسمح له بذلك.
التابع القديس محمود عباس أخلاقه ودينه يمنعه من التنكر لدور مصر التاريخي في المصالحة، لذا يجب التوقيع في القاهرة، وحماس الفاسدة ذات ولاءات إقليمية لا تحترم الدور المصري. قادة حماس استمعوا لهذه الأراجيف السياسية فنفوها جملة وتفصيلاً، وقالوا على لسان رئيس الوزراء إسماعيل هنية: هيا نتفق لنوقع في القاهرة وليس في غيرها. الاصطياد في المياه العكرة علامة فشل ونزعة طفولية. الرجولة تقتضي الصدق والشفافية. مصر لا تحترم المحامي الفاشل.
أحمد بحر، النائب الأول في المجلس التشريعي، نفى في كلمته زعم عباس (بالتمديد) له وللتشريعي لمدة عشر سنوات إضافية. وتساءل من الذي عرض؟! وأين المحاضر؟! وأين التسجيلات ؟! ولماذا يعرض التشريعي على من لا يملك أن يمدد ؟! التشريعي سيد نفسه، وعباس فقد الشرعية، والمركزي ليس صاحب ولاية على التشريعي. التشريعي يبقى قائماً إلى أن ينتخب مجلس آخر ويقوم بقسم الولاء، أي أن التشريعي يمارس عمله كالمعتاد حتى قيام التوافق والمصالحة والذهاب إلى انتخابات جديدة.
حبل الكذب قصير، والشعب الفلسطيني ليس مغفلاً. معاناة الشعب الطويلة مع قادته جعلته في امتحان عملي دائم معهم. هو يصدق الوقائع ولا يصدق الأقوال. المهاترات والمزايدات الإعلامية القائمة على فبركات متعمدة ليس لها مكان في القلب الفلسطيني. حيوية القلب الفلسطيني من حيوية الأرض المباركة المقدسة التي تنفي خبثها. الصدق الطريق الوحيد إلى قلب مصر، وإلى قلب الشعب الفلسطيني، ولا طريق غيره، والصدق والعدل طريقاً التوافق والمصالحة ولا طرق غيرها. ومن يتصد للحكم عليه التصدي لأمراض نفسه وذاته.
