قمة عربية واستخفاف إسرائيلي ... بقلم/ ياسر الزعاترة

تبدأ اليوم أعمال قمة سرت التي تستضيفها ليبيا. وفيما جاهدت الدبلوماسية الليبية من أجل جعلها قمة بطعم مختلف تأكيدا على أن طرابلس لم تغير خطابها بعد عودتها إلى حضن الشرعية الدولية إثر نبذها "الإرهاب" ، فإن واقع الوضع العربي لن يسمح بذلك على نحو لافت كما تقول سائر المؤشرات ، مع أن الطعم المختلف لا يعني تغيي الكثير بالضرورة ، لأن القرارات التي قد تجامل الدولة المضيفة شيء ، وتطبيقها على أرض الواقع شيء آخر.
 
تنعقد القمة وسط أجواء من الاستخفاف الإسرائيلي ، ليس بالفلسطينيين فحسب ، بل بالعرب والإدارة الأمريكية أيضا ، فيما تحضر قضية القدس التي كان من الصعب على القمة تجاهلها (لذلك سميت قمة دعم صمود القدس) ، وبالطبع لحساسيتها لدى الأوساط الشعبية فضلا عن المخصصات المالية التي لا تتحول بالضرورة إلى شيء عملي ، بل يمكن أن يتبخر معظمها بعد ذلك ، بدليل التبرعات السخية التي انهالت من أجل إعمار غزة ثم لم يَر القطاع منها شيئا.
 
خلال القمم الأخيرة كان منطق الانقسام بين محوري الاعتدال والممانعة هو سيد الموقف ، فيما كانت النتيجة الطبيعية أن تكون الغلبة للمحور الأول الذي تتصدره الشقيقة الكبرى ، مع بعض المجاملات الضرورية للمحور الآخر ، والتي تشكل في جوهرها مجاملة للشعوب.
 
في قمة سرت سيتكرر المشهد بصرف النظر عن حجم الحضور "القيادي" ، فالتوجه العام للوضع العربي سيبقى على حاله في الإصرار على أن السلام هو الخيار الإستراتيجي ، والمؤكد أن المبادرة العربية لن تُسحب من التداول ، وسيتمثل منطق الأطراف المعتدلة في أننا إزاء حالة من التنابذ بين الإدارة الأمريكية وبين الدولة العبرية لا ينبغي تبديدها بتصريحات أو مواقف عنترية ، وهي ذاتها نظرية الإحراج ، إحراج العدو أمام الأروقة الدولية التي تتبناها السلطة وعموم محور الاعتدال منذ عقود ، والتي أثبتت الأحداث عدم جدواها مع عدو لا يحرجه شيء ، لاسيما بعد أن ركن إلى قواه الخارقة في الداخل الأمريكي ، حيث يحظى زعيمه رغم تطرفه بدعم في الكونغرس أكثر بكثير من ذلك الذي يحظى به الرئيس الأمريكي نفسه.
 
في هذه الأجواء لا يمكن أن نتوقع الكثير ، فالقدس التي يلتهمها الاستيطان ويطاردها التهويد ستحظى ببعض المساعدات التي ستحول السلطة ما يصل منها إلى أرقام في موازنتها العتيدة ، فيما يعلم الجميع أنها (أعني السلطة) أعجز من أن تفعل شيئا لحماية المدينة المقدسة ، هي التي عجزت عن الحصول على تصريح لزيارة زوجة رئيسها للحرم المقدس بصحبة زوجة الرئيس الشيشاني.
 
لا خلاف على أن بوسع الأموال لو صرفت بطريقة صحيحة أن تساهم بعض الشيء في التصدي لسياسة الطرد والتهجير المبرمج للمقدسيين ، أو لحماية بعض المباني والعقارات في المدينة ، لكن هذا الجهد يبقى محدودا في مواجهة المليارات اليهودية التي تتدفق على المدينة ، فيما يعلم الجميع أن المسار الوحيد المجدي هو دعم خيار المقاومة في مواجهة الاحتلال وممارساته ، ورفض المفاوضات التي ثبت أنها مجرد غطاء للاستيطان والتهويد.
 
كل ذلك لن يكون له مكان في القمة ، فالعرب هم الوحيدون الذي يملكون الاستعداد لمجاملة الإدارة الأمريكية ، في وقت يتمرد عليها الجميع ، من أمريكا اللاتينية إلى آسيا وإيران ، فضلا عن الصين وروسيا ، وبالطبع لأنها تعاني حالة ضعف استثنائي. ولما كانت المفاوضات ضرورة للحيلولة دون إندلاع انتفاضة جديدة تشعل بدورها فتيل "العنف في المنطقة ، فإن العرب لن يخذلوا واشنطن على هذا الصعيد.
 
ربما يبرر بعض العرب ذلك بالحاجة إليها في مواجهة إيران ، ولكن هذه السياسة التي تقدم الخطر الإيراني على الخطر الأمريكي الصهيوني لا تبدو صائبة حتى لو اتفقنا على ضرورة العمل على مواجهة الطموحات الإيرانية أيضا.