في ذكرى اغتصاب فلسطين ... بقلم/محمد خليل مصلح

 
في ذكرى اغتصاب فلسطين الاثنتين والستين؛ نتنياهو يستشهد بما قاله هرتسل عام 1901 وبشكل مؤثر جدا يستحضر فيه الفكر اليهودي الصهيوني على لسان العلماني صاحب فكرة تأسيس دولة (إسرائيل) هرتسل؛ ما يعكس عمق الأزمة النفسية وأزمة عدم الثقة من الغرباء التي نمت في العقل الباطن للطوائف العبرية عبر مراحل التاريخ العبري؛ اليهودي يهودي ولو كان مهرطقا "عليكم ألا تثقوا بمساعدة الغرباء وألا تثقوا بالكرماء وألا تتوقعوا أن الأحجار ستلين ، لأن الغرباء يمنحون الصدقات المهينة والحجارة لا تلين وعلى الشعب الذي يريد أن تكون قامته منتصبة أن يضع ثقته بنفسه اليوم".
 
هذا القول يعكس طبيعة اليهود الناكرة لكل جميل قدمه لهم الغرب؛ فلم يخلو تاريخ اليهود من عروض سخية من الغرباء للتوطين وإيجاد وطن لهم؛ والغرباء تسمية توراتية لكل من هو غير يهودي؛ نتنياهو يتلاعب بمشاعر يهود العالم وشجون الماضي باستحضار الأحداث التاريخية المعادية لليهود بتلك التسمية؛ يستجيش العواطف العالمية؛ يستغل عقدة الذنب؛ يذكر العالم بما يسميه المعاناة والاضطهاد من الغرباء ؛ يتسلل للعقل الباطني للغرباء.
 
لاشك أن هذا الخطاب يعكس الأزمة القائمة مع الولايات المتحدة ؛ مع أن هرتسل صاحب المقولة نقضها فالدولة العبرية ما كانت ستنجح لولا دعم الغرباء المالي والسياسي لمشروع الدولة، وان الصدقات كانت المغذي الأول للاستيطان وفكرة الكيبوتسات قرى اليهود الأولى في فلسطين.
 
الدولة العبرية ما بعد الصهيونية تعيد النظر في مرتكزات تحالفاتها مع الغرب والولايات المتحدة وفق المعايير التوراتية الاستراتيجية الإسرائيلية اليمينية ترسم ملامح جديدة للعلاقة الاستراتيجية القديمة مع الولايات المتحدة؛ سياسة أوباما تجاوزت الخطوط الحمراء عندما يتلفظ نتنياهو بكلمة الغرباء فهي مرادفة للأعداء.
 
نتنياهو يصف البيت الأبيض بزعامة أوباما بالغرباء الأعداء وهذه تعتبر نقلة خطيرة في التعامل مع الحليف الاستراتيجي سنشهد انعكاساتها خارجيا وداخليا ما سوف يعمق حالة الجدل والتنازع الداخلي حول سياسات اليمين واستراتيجياته في التعامل مع الحلفاء الاستراتيجيين.
 
المؤسسة الأمنية والسياسية العبرية تفقد بوصلتها، فقدت حالة التوازن في العلاقات الدولية والتأثير على صناعها الموالين لها؛ تتعثر في إدارة الأزمة؛ نتنياهو على شفى الانهيار، عداد التدمير الذاتي بدأ في الدوران، ملامح السياسة الخارجية لنتنياهو بمعزل عن حماقات وزير خارجيته ليبرمان، فهو يلعب على الوتر نفسه لكن بغير الهدف الظاهر، فهو يرى في التعقيد والتصعيد الخارجي مع الولايات المتحدة مهربا له من ضغوطات الائتلاف الحاكم، وفي نفس الوقت يخفف عليه ضغط الولايات المتحدة بالوصول إلى قواسم مشتركة سياسة شد الحبل هي التي على ما يبدو تتحكم بقواعد اللعبة بين جميع الأطراف، أوباما نتنياهو عباس.
 
عليكم ألا تثقوا بمساعدة الغرباء وكأني بالسيد أبو مازن يحدث نفسه؛ إذا كان نتنياهو يؤمن بذلك؛ فماذا أقول أنا: الأولى بهذه المقولة نحن؛ لكن المشهد الفلسطيني مختلف الاستعانة بالغرباء هي الحل للأزمة الداخلية، استرجاع للتاريخ السياسي الأندلسي؛ الذي غذى سياسات زعماء تلك الفترة من التاريخ.
 
استراتيجية رام الله تعتمد على الغرباء "الاحتلال" في إسقاط حماس؛ يستخدم استراتيجية التهديد والانسحاب في إطار لعبة شد الحبل مع نتنياهو؛ السيد عباس يوظف أزمة نتنياهو لحل أزمته بإسقاط حماس؛ على أساس أن أزمة نتنياهو بمقدرة السيد أبو مازن إنهاؤها بالتوجه للمفاوضات المباشرة أو غير المباشرة؛ كل من الاثنين يمسك بزمام أزمة الآخر؛ برنامج الطرفين السياسي يتوقف على مواقف الطرف الآخر انهيار عباس انهيار لنتنياهو؛ وفي الحالتين تتحقق مصلحة وخدمة لحركة حماس؛ تتعزز أجندة حماس في المنطقة، إدارة الصراع وتجاوز التعقيدات السياسية بفك الطوق والحصار المفروض عليها في المنطقة.
 
القاسم المشترك بين الطرفين مع اختلاف الهدف من ذلك إسقاط حماس، كمخرج لعباس من ورطته السياسية، ومخرج لنتنياهو من الضغوطات الأمريكية على اعتبار أن عباس لن يجد غضاضة بالعودة إلى المفاوضات في ظل الاستيطان وفي ذلك طوق نجاة لائتلاف نتنياهو من الانهيار.