في ذكـراها الثالثة، حرب الفرقان: 23 يومـًا من العدوان والصمود
المشهد قبل العدوان
ضربت قوات الاحتلال الصهيوني اتفاق التهدئة -الذي أعلن في 19 حزيران (يونيو) 2008، مع الفصائل الفلسطينية بوساطة مصرية- بعرض الحائط واستمرت في التصعيد وإغلاق المعابر، ووصل التصعيد ذروته خلال الشهرين الأخيرين من العام 2008؛ حيث كثف الاحتلال من عمليات التوغل والاغتيالات، التي أسهمت في انـهيار التهدئة، لترتفع وتيرة الاعتداءات الصهيونية مع حشودات عسكرية للدبابات الحربية الصهيونية، وتعزيز مواقع المدفعية والقوات البرية على طول الحدود الشمالية والشرقية للقطاع.
ولم تـمر سوى عدة أيام على ذلك حتى بدأت قوات الاحتلال عدوانـها على قطاع غزة في 27 كانون أول (ديمسبر) 2008، فيما اعتبره حقوقيون ومحللون العدوان الأشرس والأكثر دموية ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم في تاريخ الاحتلال منذ العام 1967.
غارات جوية مكثفة
بدأت قوات الاحتلال عدوانـها بشن غارات واسعة جدًّا على أغلب المقرات التابعة لوزارة الداخلية، ومواقع كتائب القسام، والفصائل الفلسطينية، إلى جانب استهداف المقرات التابعة للحكومة لتوقع مئات الشهداء والجرحى.
واستخدمت قوات الاحتلال خلال العدوان أنواعًا مختلفة من الأسلحة، كما قامت القوات الجوية والبرية والبحرية التابعة لها بإطلاق آلاف الصواريخ والقذائف الموجهة التي يصل وزن الواحدة منها نـحو ألف كيلوغرام، حيث طالت كل شيء في غزة ولم تفرق بين مدني أو عسكري.
التوغل البري
ومع استمرار الغارات التي لم تتوقف ليلاً أو نهارًا، شنت قوات الاحتلال في اليوم الثامن للعدوان هجومًا بريًّا حشدت خلاله مزيدًا من قواتـها واندفعت إلى عمق القطاع من عدة محاور، من الشمال والجنوب والوسط تحت مظلة من النيران الكثيفة برًّا وبحرًا وجوًّا.
وأقدمت قوات الاحتلال على تقسيم القطاع إلى عدة مناطق، والتوغل نـحو التجمعات السكانية، واستمرت تلك القوات على مدى قرابة أسبوعين، مقترفة المزيد من الجرائم وأعمال القتل الوحشية التي تكشفت فصول بعضها بعد اندحار العدوان.
قذائف فسفورية
وأكدت المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والدولية أن قوات الاحتلال استخدمت في عدوانها مختلف أنواع الأسلحة الفتاكة، بما في ذلك الأسلحة المحظور استخدامها ضد المدنيين وممتلكاتهم، بـما يؤكد تعمد إيقاع الأذى في صفوف المدنيين الفلسطينيين.
وكان من أبرز الأسلحة المحرمة دوليًّا -والتي استخدمها الاحتلال في حربه على غزة- القذائف الفسفورية، والقذائف المغلفة باليورانيوم، والقذائف المسمارية، الأمر الذي خلف آثارًا بالغة الخطورة على الأشخاص والممتلكات على حد سواء. كما كشف العدوان عن إبادة جماعية لعائلات فلسلطينية بأكملها، كما حدث مع عائلة السموني، والداية، وعائلة ريان، والبطران، وغيرهم.
ضحايا الحرب
وخلفت الحرب حوالي 1500 شهيد، و5500 جريح، غالبيتهم من المدنيين، حيث كان من بين الشهداء 318 طفلاً، و111 امرأة، وبـحسب اللجنة المركزية للتوثيق وملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة، التي شكلتها الحكومة، فقد استهدف العدوان جميع مناحي الحياة في قطاع غزة؛ حيث لم تسلم المساجد والمؤسسات الحكومية والصحية والشركات التجارية، من القصف والتدمير، وبلغت قيمة الخسائر الكلية في شتى مناحي الحياة ( 1,916,655,363) دولار.
وأظهرت إحصاءات اللجنة، أن قوات الاحتلال دمرت أكثر من 50 ألف وحدة سكنية بين دمار كلي وجزئي وأضرار؛ حيث دمرت 3169 وحدة سكنية بشكل كلي وقدرت تكلفتها (134,146,749) دولار، في حين دمرت 47484 وحدة سكنية بشكل جزئي قدرت تكلفتها (66,702,499 ) دولار. كما طال التدمير آلاف الدونمات الزراعية.
استهداف المساجد
ولم تسلم المساجد من العدوان الصهيوني؛ فقد طال القصف بـحسب وزارة الأوقاف والشئون الدينية 224 مسجدًا في القطاع ، منها 45 مسجدًا دمر كليًّا، 55 مسجدًا دمر جزئيًّا، و124 مسجدًا أصيب بضرر طفيف، بالإضافة إلى 10 من المرافق والعقارات التي تخدم هذا القطاع حيث تضررت 3 مرافق بشكل كامل، و7 مرافق ضرر جزئي.
ولم يسلم كذلك الشهداء والموتى في مقابرهم من عنجهية المحتل وعدوانه؛ حيث أدى القصف الصهيوني للمقابر إلى نبش القبور وتناثر الجثث والأشلاء خارجها. وقد تم قصف 5 مقابر، 3 منها في محافظة عزة، ومقبرة واحدة في محافظة الشمال، ومقبرة واحدة في محافظة خانيونس.
استهداف المؤسسات التعليمية
كما استهدف العدوان الصهيوني 181 مدرسة من مدارس وزارة التربية والتعليم العالي (7 مدارس أصيبت بأضرار كلية، 174 مدرسة أصيبت بأضرار جزئية)، كما تضررت 36 مدرسة تابعة للوكالة، و5 مدارس خاصة، و 67 روضة أطفال، و 4 جامعات، وكليّتان.
كارثة إنسانية
وشهد قطاع غزة، خلال فترة العدوان، أوضاعًا إنسانية كارثية، تدهورت خلالها مختلف جوانب الحياة للسكان على نحو غير مسبوق، تعرضت خلالها حياة نـحو 1,5 مليون فلسطيني يقطنون غزة إلى خطر حقيقي، هدد حياتـهم بصورة جماعية.
وشهدت غزة أثناء الحرب نقصًا حادًّا بل نفادًا في كثير من المواد الأساسية والغذائية، حيث شهدت وضعًا غذائيًّا كارثيًّا، عجز خلاله السكان عن الحصول على احتياجاتـهم الغذائية.
مقاومة باسلة وصمود أسطوري
وعلى الرغم من حجم الدمار وكثافة النيران الصهيونية، لم تستسلم المقاومة الفلسطينية، ونـجحت وعلى رأسها كتائب القسام في صدّ العدوان، واستمرت في إطلاق آلاف الصواريخ والقذائف وخوض الاشتباكات، والعمليات الاستشهادية، حتى اضطر الاحتلال للانسحاب من جانب واحد، دون أن يـحقق أهدافه من وراء العملية بعد ثلاثة أسابيع من الدموية.
أما الحكومة الفلسطينية في غزة، فقدمت نموذجًا فريدًا للعمل في أقسى الظروف، وعلى الرغم من استهداف الاحتلال لكافة مظاهرها الأمنية والمدنية؛ عبر استهداف المقرات الأمنية والشرطة وعناصرها، بـما في ذلك اغتيال وزير الداخلية الشهيد القائد سعيد صيام، وكذلك استهداف الوزارات المدنية والمقرات الحكومية، إلا أن الحكومة واصلت عملها بطريقة استثنائية في ضبط الوضع في القطاع.
كما نـجت في رعاية الوضع الصحي والإغاثي، ودفع الرواتب، وتوجيه المعركة الإعلامية باقتدار كبير، برز فيه رئيس الوزراء إسماعيل هنية، الذي وجه عدة خطابات قوية ومؤثرة، ليعكس فشل الاحتلال في القضاء على حركة "حماس" وحكومتها في غزة، الذي أجمع المراقبون أنـها -حماس- باتت أقوى وأكثر احتضانًا من الجماهير الفلسطينية.
