"إباء" تحلم باحتضان أبيها المعتقل منذ 18 عاماً
عندما اعتقل خالد مرداوي، من بلدة حبلة جنوب قلقيلية بالضفة الغربية، قبل 18 عاما، لم تكن إباء قد أبصرت النور بعد، واليوم أصبحت طفلته الوحيدة شابة، تدرس الاقتصاد الإسلامي في جامعة النجاح وتنتظر ذلك اليوم الذي ترتمي فيه بحضن أبيها.
مركز أحرار لدراسات الأسرى وحقوق الإنسان يركز الضوء على معاناة عائلة الأسير خالد مردواي حيث اعتقلت إسرائيل مرداوي المولود بتاريخ 14/4/1965 من منزل عائلة زوجته ميسون، في قرية جلعود القريبة من حبلة، خلال الانتفاضة الأولى بتاريخ 28/8/1992، وحكمت علية بالسجن المؤبد ثلاث مرات و40 سنة، ومنذ ذلك الحين تقوم ميسون التي تعمل مديرة مدرسة في البلدة، على رعاية وتوفير احتياجات إباء، في محاولة تعويضها عن غياب الأب الإجباري.
كانت ميسون في سنتها الجامعية الأولى عندما تزوجت خالد، وافقت الاقتران بذلك الرجل الذي كان مطاردا لدى الاحتلال، ينتظر الموت أو الأسر أو النصر، وفي عرس اقتصر على الأهل والثقات من الناس زفت ميسون إلى عريسها خالد، لم يكن يعلم بأمر زواجهما إلا قلة من الثقات، وبعد اعتقاله عرف الأمر.
تقول ميسون الذي يظهر في صوتها الثبات والقوة لمركز أحرار لدراسات الأسرى: كنت اسمع عن خالد الكثير، كان يوصف بأنه صاحب موقف ومبدأ، ذو شخصية قوية ونفس ثوري، ويحمل بين طياته قلبا متسامحا حنونا، وعندما خطبني وافقت على الزواج منه مع علمي انه مطارد ومطلوب لقوات الاحتلال، ففي نظري هو بطل، ضحى من اجل وطنه وقضيته.
وتضيف لأحرار: كانت حياتنا غير مستقرة لطبيعة الظروف والأوضاع، فمعظم الوقت كان خالد متخفيا يتنقل بحذر من مكان إلى آخر، كانت كل لحظة تمر احسبها قلقا وخوفا عليه، لكني كنت احتسب ذلك واصبر، وأتذكر مواقف الصحابيات وثباتهن، وأتذكر أني زوجة مجاهد، وكنت استمد منه العزيمة والثبات.
وبعد سبعة أشهر من زواجهما اعتقل خالد، كانت نقطة تحول في حياة ميسون التي كانت وقتها حاملا في اباء، وشعرت الزوجة الشابة بعظم المسؤولية والأمانة.
على مدخل بيت مرداوي حديقة صغيرة تضم أصنافا متعددة من الأزهار والورود وبعض الأشجار المثمرة، نسقت بطريقة فنية لافتة، تدل على ذوق راق، تنبعث رائحة عبير الياسمين المتدفق عبر نافذة في غرفة الجلوس، فتزيل بعض التوتر، وتبعث على الارتياح.
ووسط أحد جدران الغرفة، علقت صورة قديمة لمرداوي، وهو لا يزال شابا في مقتبل العمر، وفي ركن في زاوية الغرفة، وعلى منضدة خشبية مرتفعة صورة حديثة، التقطت له داخل المعتقل، والفارق بين الاثنتين هو حصيلة عمر إباء اليوم.
تربط إباء بوالدتها علاقة قوية تعدت علاقة الأم بابنتها، فهي لها الأم والأب والشقيقة، وكل شيء، فعمر إباء من عمر قصة تضحية وإيثار لم تعهد إلا في قصص التاريخ، وتتناقل كأنها أساطير.
وتفخر إباء بوالدتها التي حاولت ان تعوضها عن حنان الأب وحمايته، فقد كرست حياتها من أجلها ومن أجل والدها، ولم تنقطع نظرات الإعجاب التي ترمقها بها من حين لآخر.
تنظر اباء التي توحي نظراتها وطريقة حديثها عن عمر اكبر من سنها، إلى صورة والدها المعلقة، معبرة عن إعجاب وتعلق لا يضاهيه شيء آخر، وتقول لمركز أحرار: افتقده كل يوم، كنت أتمنى أن يأخذني للمدرسة في أول يوم لي فيها، وان يفرح معنا يوم أنهيت التوجيهي ودخلت الجامعة، كأي بنت أتمنى أن أجده يوم العيد، في رمضان، أتمنى أن أجده يوم تخرجي من الجامعة، ورغم غيابه الإجباري إلا انه معنى في كل وقت.
وتتذكر إباء أصعب المواقف التي مرت بها، يوم نقلت لوالدها نبأ وفاة والدته، التي كانت آخر أمانيها أن ترى ولدها الذي حرمت من زيارته سنة كاملة.
تقول اباء برنة حزن: كان ذلك في 2004، لم يتمكن احد من زيارة والدي إلا أنا وعمتي، فوالدتي مرفوضة امنيا، لم ادر كيف اخبر والدي بوفاة جدتي، كانت لحظات عصيبة، لم أستطع الحديث يومها، وأجهشت في البكاء، وعندما أخبرته الخبر، لم يتمالك نفسه وفرت الدموع من عينيه، لم أرى والدي حزينا كل هذا الحزن من قبل.
وأضافت لأحرار: كانت الزيارة معظمها دموع، وانتقل ذلك للمنزل عندما شاهدتني أمي ابكي على بكاء والدي الأسير من خلف ألواح الزجاج وعبر الهاتف المخصص للحديث بين الأسير وعائلته في مكان الزيارة، كان فراق جدتي مؤلما، لحنانها، ومعرفتي بمدى تأثر والدي بفراقها.
وتحرص إباء خلال الزيارات، على إطلاع والدها على كافة التطورات في العائلة، وحتى في البلدة، تريده أن يبقى على معرفة بكل شيء، وحتى أدق التفاصيل الصغيرة، وأن يشعر وكأنه يعيش بينهم.
تقول المربية أم إباء: العالم مهتم بشاليط وعائلته بينما آلاف العائلات الفلسطينية محرومة من رؤية الأسير، فمعاناتنا لا توصف وحياتنا بدونهم لا معنى لها، الفرصة الآن سانحة لكي يخرج أصحاب المؤبدات إلى الحرية.
وأضافت للمركز الحقوقي أحرار، أن وسائل الإعلام لا تفرد لعائلات الأسرى مساحة تساوي المساحة الممنوحة لعائلة الأسير جلعاد شاليط المأسور من سنوات قليلة، بينما نحن نعيش عشرات السنين في محنة وعذاب.
وطالبت منظمات حقوق الإنسان والأمين العام الجديد للأمم المتحدة بتحمل مسؤولياته تجاه عائلات الأسرى الفلسطينيين، وان لا يتجاهلوا معاناتهم وضرورة الإفراج عن أسراهم.
وتتساءل أم إباء قائلة: زوجي فقد والده وهو داخل السجن ووالدته لحقت بالقافلة، ونحن ننتظر الإفراج عنه في صفقة التبادل ونسأل الله أن تكون هذه المحطة الأخيرة من الأحزان لزوجي الأسير وشقيقه الأسير محمود مرداوي المحكوم أيضا بالسجن المؤبد.
فؤاد الخفش مدير مركز أحرار لدراسات الأسرى وحقوق يقول أن المرداوي يقبع في سجن عسقلان بين إخوانه الذين ضحوا بحريتهم من أجل استقلال وطنهم، يعاني من بعض الآلام في الرقبة والظهر، حاول قدر المستطاع إخفاء ذلك عن أهله حتى لا يزيد حزنهم والمهم، محتسبا الأجر عند الله، وكله أمل في الخروج من أسره وحضور لحظات السعادة التي حرم منها، ورؤية ابنته وهي عروسا تزف إلى عريسها.
وطالب الخفش بضرورة تفعيل قصص الأسرى القدامى وتسليط الضوء على معاناة عائلاتهم وقصص صبرهم .
