Menu

منظمة التحرير الفلسطينية بين الشعار والتطبيق

بقلم/ محمد سميح زيدان

عندما انطلقت الثورة الفلسطينية، ومن ثم تم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، لم يكن الأمر مرتبطاً باستفتاء، فكان هناك ميثاق.. ميثاق طبيعي تعاقد عليه كل أبناء الشعب الفلسطيني من منظمات وهيئات، وشخصيات وأفراد، فكانت الشرعية في الميثاق، وعندما سقط الميثاق، كان من الطبيعي أن يسقط معه أشياء كثيرة، لم يكن حينها مكان للتفكير بشيء اسمه "إسرائيل"، فكان مجرد التفكير "بإسرائيل" يعني الخيانة العظمي، وللأسف نجد من بيننا اليوم كلما أشار إلى فلسطين، نحتاج أن نضيف عليها عبارة كل فلسطين، لأنها قد تحتمل أن تكون بعضاً من فلسطين، وليس كل فلسطين، وكأنه وطن ناقص، خلافاً لأي منطق، وخلافاً لأي عُرف في تاريخ الأمم والأوطان، وكأن أولئك الذين استشهدوا من أجل حيفا ويافا وصفد قد سقطوا من أجل أرض ليست لهم، فمن حق الشعب الفلسطيني أن يضع ألف علامة استفهام وتعجب، ونختصرها بتساؤل: لمصلحة من أوصلتنا المنظمة إلى ما نحن فيه الآن؟ وكيف توَّج نضال الشعب الفلسطيني بالتنازل عن 80% من أرض فلسطين التاريخية؟! وإذا كان كل هذا قد حصل باسم الواقعية، فمن الممكن وباسم الواقعية ذاتها أن يتم التنازل عن الـ20% أو على جزء منها.

فالشعب الفلسطيني المؤمن بتحرير وطنه، والمؤمن أيضاً بحقه في العودة إلى دياره التي هجر منها، مؤمن أيضاً بضرورة استدعاء كافة الطاقات الفلسطينية، وتجنيدها لمعركة التحرير والعودة، وبضرورة إقصاء ومحاسبة كل من يؤمن بالمرحلية على قاعدة الاعتراف بحق دولة الاحتلال على أرض فلسطين، وحتى نكون على سكة التحرير، لابد من محاسبة من أهمل وعمل على تغيب شعار المنظمة: وحدة وطنية- تعبئة قومية- تحرير، حيث وبعد ما يقارب الخمس عقود من الزمن فلا نجد وحدة وطنية قد تحققت، ولا تعبئة قومية تشكلت، ولا تحرير للأرض قد حصل، ومازلنا نردد هذا الشعار بعد أن أفرغ من مضمونه، بسبب فئوية ضيقة وحزبية مقيتة قاتلة، وأمام هذه الصورة المريرة، مازلنا نسمع من يقول ويردد: أنا الممثل الشرعي والوحيد لكم أيها الشعب الفلسطيني، إلا أن الشعب الفلسطيني وبصوت واحد يقول: نعم أنت الممثل الشرعي والوحيد عندما تترجم شعارك على الأرض، وتعمل بالميثاق الذي آمن به الشعب، وتعيد بناء بيتك على أسس وطنية وبمشاركة الجميع عندئذ تكون كذلك.

وانطلاقاً من إيمان الشعب الفلسطيني وإدراكاً منه بأن صراعه مع عدوه، هو صراع وجود وليس مجرد نزاع على الحدود، ولا يمكن أن يقاس هذا الصراع بعدد السنوات مهما طالت أو تضاعفت مدتها، لأن الثورة الفلسطينية وكباقي الثورات في العالم لا يمكن أن تقاس بإمكانات العدو أو بمدى تفوقه، فمن الإجحاف إهمال إرادة الشعوب والقفز عن حقوقها... وبقراءة سريعة أيضاً فإننا لم نجد شعبنا من الشعوب قد استسلم لإرادة عدوه، مهما كانت وبلغت قدراته، ولم نجد من تجرأ وصادر حق الأجيال في النهوض والتحرير، بل على العكس من ذلك رأينا شعوباً وقد تعرضت للإبادة ولم توقع صك الاستسلام لعدوها، خلافاً لما نراه اليوم من البعض الفلسطيني وهو يجري لاهثاً وراء سراب زائف من أجل 20% من أرض فلسطين، فكان من الطبيعي أن يصطدم هذا البعض بفكره ونهجه مع مصالح شعبه وحقوقه، فكان الاختلاف وكان الانقسام.

وحتى نعيد لهذا الشعب العظيم دوره وباعتباره صاحب الحق وصاحب المصلحة والقرار، لابد من أن نتمسك جميعاً بثوابته وبحقوقه الغير قابلة للشطب أو التهميش أو الإلغاء، وحتى يكون ذلك لابد من التقاء الجميع حول قواسم مشتركة دون المساس بجوهر الثوابت والحقوق.

فجاءت الدعوات من أجل وحدة الصف ووحدة الهدف، وترجمة لصوت الشعب يريد إنهاء الانقسام كان اتفاق الدوحة، بعد عدة محطات سابقة ساهم في إفشالها إملاءات وإرادات خارجية، ومع ذلك مازلنا نرى استنساخاً لبعض المواقف السلبية السابقة لعقليات فئوية ضيقة، حيث نرى من ينادي بضرورة التزام حكومة التوافق الجديدة باتفاقات منظمة التحرر وببرنامجها السياسي وسياسة السيد الرئيس، وهذا يعني إلغاءً لدورها، وأن تذوب كلياً في عقل وسياسة هذا التنظيم أو ذاك، علماً أن حكومة التوافق مؤقتة وخدماتية ومهمتها تنحصر فقط في التحضير للانتخابات القادمة وتعمل على إعادة الإعمار وكذلك رفع الحصار وهذا يعني بأن لا علاقة لحكومة التوافق بالشأن السياسي وكما يجب تفعيل عمل المجلس التشريعي حتى يستطيع القيام بعمله كما نص عليه الدستور.

ومن هنا يجب التأكيد على ضرورة الالتزام بما تم الاتفاق عليه باعتبار الخروج عن ذلك هو بمثابة تغريد خارج السرب الوطني الفلسطيني.

وطننا جميعاً واحد اسمه فلسطين كل فلسطين وشعبنا واحد فلنرتق إلى مستوى هذا الوطن والشعب القائد الذي لا يعرف الهزيمة ولا الراية البيضاء فنكن أوفياءً له ونعمل جميعاً لتحقيق الوحدة الوطنية والتعبئة القومية والتحرير وحتى لا نفاجأ يوماً بانتفاضة شعبية ثالثة تنادي وبصوت واحد: الشعب يريد إسقاط النظام فاتعظوا يا أولي الألباب وكم هو سعيد من يتعظ بغيره.