سؤال في المصالحة الفلسطينية
سؤال في المصالحة الفلسطينية
م.جمال البطراوي
إن لم تكن سببا مباشرا فهي وبالتأكيد النتيجة الحتمية لمجمل التراكمات والتداعيات لحالة الانهيار القومي في العالم العربي.. والتي أعقبت رحيل القائد العربي القومي عبد الناصر وبدء مرحلة كامب ديفيد السادات وزيارته المشؤمة للقدس وصولا إلى مدريد وإعلان المبادئ وحتى أوسلو وكامب ديفيد أبو عمار وحصاره واستشهاده ..
وظهور رجل المرحلة أبو مازن، ليجسد جميع هذه الانهيارات في برامجه التصالحية مع العدو الصهيوني متعللا بالواقعية ..والممكن..في إدارة المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني.
تلك هي الحالة الفلسطينية الراهنة بأبعادها وارتهاناتها .
وحدث الانقسام الفلسطيني والذي لم يكن بعيدا عن الحالة العربية باصطفافاتها وتصنيفاتها مابين دول ما يسمى بالاعتدال ودول الممانعة والمواجهة بل إن حكومات الاعتدال وسلطة أوسلو ومعهم جميعا الإدارة الأمريكية وبعد فوز حماس في الانتخابات البرلمانية وقفوا مشدوهين وهم يحاولون إصلاح الخطأ الغير مقصود وإغلاق معابر وبوابات منافذ سيل العناوين المزعجة القادم من غزة ،لتبدأ معركة الحصار والحرب الفعلية على غزة.
وما كان لحالة الانقسام أن تدوم وتستمر لولا اصطفاف دول الاعتدال إلى جهة دون أخرى حتى أنها لم تبقي نفسها حكما نزيها بل انحاز معظمها مؤيدا وداعما للطرف المتوافق مع ارتباطاتها الدولية والأمريكية ، فقد التقت وتقاطعت المصالح الرسمية لحكام هذه الدول مع المصالح الرسمية لطرف سلطة أوسلو في رام الله .
وبهذا ساعدت في اتساع الهوة بين الطرفين وساهمت في إطالة أمد الانقسام من جهة ووسيلة ضاغطة لتحقيق انجازات لصالح المشروع الأمريكي الصهيوني وبأداة فلسطينية تمثلها سلطة أوسلو في رام الله.
إن الحالة العربية الرسمية بكل مكوناتها وارتباطاتها أثرت على الحالة الفلسطينية في جميع مراحلها السابقة واللاحقة حتى يومنا هذا ، ولقد كانت التفاعلات الفلسطينية العربية وبما تمثله القضية الفلسطينية من مركزية وسبقا إعلاميا ناجحا يمس المشاعر العربية والإسلامية تعاملت معها الحكومات العربية مباشرة لثرائها الوطني وقوة تأثيرها على الشارع العربي والإسلامي هادفة من وراء ذلك تثبيت أركان حكمها وسيطرتها على شعوبها.
ولم يكن للفلسطينيين يوما أن تدخلوا فيه في الشئون الداخلية لأي دولة عربية.بل كانوا يحاولون دائما أن يجدوا الوسائل والمبررات لهذه الدول حتى يبقوا على مسافة واحدة مع الجميع ، وكل ذلك كان له انعكاساته في صميم الذات الفلسطينية ،ولقد مرت فترات من الانحسار السياسي قامت فيها بعض القيادات الفلسطينية بالتعامل والتوافق مع أنظمة عربية لم تزدها إلا مزيدا من السقوط السياسي والتراجع في تحقيق أهدافها الوطنية.
وتبلورت قناعات الفلسطينية أثبتتها الخبرات والتجارب بل والدماء والسجون والمعاناة ولا يختلف عليها في أن وضع الأوراق الفلسطينية في الحقائب الدبلوماسية للحكومات الرسمية العربية لم يفد قضية التحرر الوطني الفلسطينية إن لم يكن قد أعاقها.
ورغم ذلك فقد أصرت سلطة أوسلو في رام الله على وضع جميع أوراقها السياسية وقضية الشعب الفلسطيني تحت رحمة هذا الانهيار والسقوط العربي، والفاقد لخياراته الوطنية وانتظرت هذه السلطة إن يأتيها الاستقلال والوطن من خلال تعاملها مع هذه الأنظمة المتوافقة معها والمتوافقين جميعا مع الرؤى الأمريكية في المنطقة.
أما الامتداد والبعد القومي الحقيقي فقد مثلته الشعوب العربية وقياداتها الشعبية التي لم تتخلى ولو للحظة واحدة عن قضيتها الأساسية في فلسطين وهى مدركة تماما الخطر الذي الداهم والذي يهدد كيانها ومقدراتها في المنطقة العربية ،ولقد تعرضت هذه القيادات للكثير من القهر والزج في سجون أنظمة عربية نتيجة لمواقفها القومية هذه.
المصالحة الوطنية الفلسطينية:
في ظل تقوقع الأنظمة العربية في قطريتها وذاتيتها وتغلغل القوى العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في أعماق وخصوصيات هده الأنظمة والسيطرة الفعلية عليها إما سياسيا او امنيا او اقتصاديا، كان لابد من المواجهة وهذه المواجهة قادتها دول الممانعة والتي احتضنت ودعمت المقاومة الفلسطينية وتبنت خياراتها ،كان لابد للمقاومة الفلسطينية إن تصنف ضمن هذا التوجه الداعم لحقوقها والمؤيد لأهدافها في التحرر من الاحتلال. رغم أنها وكمبدأ أساسي لها تعاملت وبقدر وطريقة ما مع أي طرح ومن أي جهة كانت افترضت فيها إنهاء الانقسام وصولا للوحدة الوطنية.
وفي الجانب الأخر تبنت دول ما يسمى بالاعتدال خيار المفاوضات والحلول السلمية والتبعية العمياء للسياسات الأمريكية المتوافقة مع سياسة الاحتلال الصهيوني وبالتنسيق والتعاون معه امنيا .
وكان التعنت الصهيوني هو سيد الموقف من أسلو وحتى ألان ويجري تنفيذ المخطط الصهيوني على قدم وساق ،حتى وصل الأمر بسلطة أوسلو إلى الاعتراف وبعد ثمانية عشر عاما بفشل عملية السلام ..ثم عادت إليها وبغطاء عربي.
وألان وبعد تداعيات أسطول الحرية عادت تدور في الكواليس والعلن نغمات المصالحة الفلسطينية والدعوات للتوجه لقاهرة المعز والتي ربما تفشل قبل أن تبدأ .ولكن لماذا يكون الفشل دائما كلما اقتربنا من المصالحة؟ !!!
وخصوصا وإنها ليست المرة الأولى التي تجتمع فيها الأطراف المتنازعة وتعتمر أقنعتها للجلوس في القاعات الفارهة وتتغلظ الأيمان حتى يظن السامع والمشاهد أن الغيمة قد زالت وانقشعت ولكن سرعان ما تعود المياه الآسنة إلى مجاريها وتزداد الأزمة توترا.
هذا هو السؤال الذي يحتاج إلى إجاباتكم
